ثمة حرب اعلامية غير معلنة أو أنها معلنة بشكل خبيث من جانب أوساط وأركان اللوبي اليهودي الاسرائيلي الصهيوني في الولايات المتحدة ضد الشعب العربي في فلسطين وقد لا يشعر العرب بهذه الحرب الشريرة، لأنها لا تجد طريقها الى سطور الصحف العربية بل ولا الصحف الدولية ولا تنشر عنها الفضائيات المتلفزة التي باتت تملأ الأثير العربي صخبا وضجيجا ومسلاة فارغة وأغاني وأهازيج هي أقرب الى الهزر والسخافات ناهيك أن تعمل هذه الفضائيات العربية وبعضها ينفق بالملايين من أجل الرد عليها أو ابراز مدى خطورتها. إنها حرب تشويه الحقائق والباس الباطل ثوب الحق.. وربما أشرنا من قبل الى هذه العملية الخبيثة من خلط الباطل بالحق فيما تعرفه أدبيات الفقه الاسلامي بأنه (تلبيس ابليس). والغاية المستهدفة من تلك الحرب هو بالذات الجمهور الرأي العام الأمريكي الذي ظل يتابع منذ خريف العام الماضي صور المواجهة الدموية غير المتكافئة بين انتفاضة الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة وبين آلة الحرب الصهيونية المدججة بأحدث وأمضى وأفتك أسلحة العصر المستمدة في معظمها إما من مخزون الترسانة الأمريكية أو الممولة في معظمها أيضا من دولارات دافع الضرائب الأمريكي بالدرجة الأولى. الاعلان سلاح الحرب سلاح هذه الحرب هو الاعلانات التي لا تفتأ تنشرها كبريات الصحف الأمريكية (نيويورك تايمز بالذات) في هذه الركن أو ذاك من صفحاتها. ومصدر هذه الاعلانات مؤسسة تسمى نفسها (اللجنة اليهودية الأمريكية) وتتخذ مقرها في الشارع السادس والخمسين من حي مانهاتن في قلب نيويورك. ولعل أخبث ما في الأمر أن اللجنة اليهودية الصهيونية في الأساس تطالع الناس بشعار اتخذته لمنشوراتها ولاعطائها ظاهرة البراءة والموضوعية بل والروح الانساني وباطنه تكريس العدوان الاسرائيلي الصهيوني الذي ما برح قائما وحالا (بتشديد اللام) على فلسطين.. الأرض والبشر والموارد والمقدرات.. الشعار يقول باختصار: (نحو تعزيز التفاهم الديني والعرقي والعنصري على صعيد العالم كله). هذا الشعار وضعوه على صدر آخر اعلاناتهم المنشورة في أوائل يناير الحالي وهو مكتوب بمهارة يبلغ من خبثها الشرير أن تطرح في مستهل الاعلان سؤالا بريئا موجها الى قارئي المادة الاعلانية وهم كما أسلفنا جماهير الشعب الأمريكي.. والسؤال يقول: * من الذي يصنع (الشهداء) من الأطفال الفلسطينيين؟ سؤال للفلسطينيين وبعد السؤال يبادر الاعلان الى سطر واحد يحوي عبارة من كلمتين هما: اسألوا الفلسطينيين. أنت هنا أمام أسئلة تبدو بريئة أو موضوعية بل قد تفوح منها نبرة إنسانية.. وكأن طارح السؤال صائغ الاعلان إنسان يبحث عن الحقيقة ويتوسل, فيما يبدو, بالمنهج السقراطي الشهير الذي يطرح تساؤلات متدرجة بالسامع أو القارئ الى حيث يتم توصيل المعنى المراد أو هي في هذا السياق الصهيوني الرسالة الاعلامية السياسية, المنشودة التي يقصد بها في التحليل الأخير عملية غسيل الدماغ للانسان الأمريكي العادي الذي ينهي يوم العمل المشحون المكدود بالتلاعب بجهاز الريموت بين محطات التليفزيون وقد يهتم إن فعل بتصفح الجريدة في هدأة المساء أو يكون قد تصفحها في قطار الضواحي الذي يستخدمه للتنقل بين المسكن والعمل في الصباح وفي المساء. إنكار الحق الشرعي ونحن نبسط الحديث عن هذه النوعية من اعلانات الصهاينة في أمريكا أولا لكي نبين مدى خطورتها في حد ذاتها, ولكي نؤكد أن القوم عازمون مصممون على انكار الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني وربما لكي نتعلم بعض الدروس في فن أو حرفة الإعلام ولو من الناحية المهنية التقنية الحرفية البحتة. بعد السؤال تدور ماكينة الخداع. نعم.. اسألوا الفلسطينيين لماذا يعلمون الأطفال دروس البغض وأساليب الحرب بدلا من أن يعلموهم قيم المواطنة والمهارات التي سوف يحتاجون اليها لبناء دولة فلسطينية في المستقبل في ظل تعايش سلمي مع اسرائيل. هل هناك أعقل من هذا الطرح أمام مواطني أمريكا العاديين.. ومعظم مواطني أمريكا قوم عاديون حتى ولو كانوا من البارزين الممتازين في المهن التي يعملون في سلكها.. أطباء أو محامون أو محاسبون.. الخ.. وهم عاديون بمعنى أن لديهم اهتمامات عادية إن لم نقل محدودة حتى لا نقول هامشية أو مجزأة إن لم تكن غائبة معدومة بما يجري خارج حدودهم. منهم من تربى على أن أمريكا هي مركز العلم وما سواها إجرام توابع تدور في فلك القطب الأمريكي ومنهم من أغرقوه في الاهتمام بالشأن الأمريكي الداخلي وهم - موضوعيا شأن حافل حقا ومتسع ومتشابك يمكن أن يستغرق الاهتمام ومنهم من أنشأوه وهذا هو الأخطر على مقولة أن لاسرائيل حقا فيما اغتصبته ولو بحكم الحضارة ولو تحت شعارات الديمقراطية.. ومنهم من نشأ منكبا على الإمعان في التخصص في حرفته أو مهنته تاركا أمور السياسة والشأن العام أو الخطاب العام لعناصر أخرى.. هي بدورها من المتخصصين. ومثل هذا المنطق يصل بأصحابه الى حال من اللامبالاة بما يدور من حوله في أركان الدنيا أو الى حال من سذاجة التلقي والاستجابة لما تقدمه له وسائط الميديا بغير فرز أو مراجعة أو مناقشة أو تمحيص. هذا المنظور العريض من البشر تُشن عليه حملة اعلانية تقول بأن أطفال الفلسطينيين يرضعون الحقد بدلا من الحليب ويربون على الكراهية والحرب بدلا من اعدادهم المساكين أو الضحايا لاستقبال الدولة الفلسطينية الموعودة في ظل أوضاع تحرص الاعلانات تماما كما حرصت مقترحات الرئيس الأمريكية كلينتون الأخيرة على أن تستخدم لوصفها كل الأوصاف الرقيقة.. الواعدة.. الوادعة الجميلة المؤثرة والأثيرة الى قلب السامعين والقارئين ألفاظا من قبيل التعايش.. المواطنة.. القيم.. السلام.. الخ. سؤال بغير جواب ولأن أسلوب السؤال البلاغي مؤثر بدوره وفعال فالاعلانات الصهيونية تعده اختيارها الأثير. السؤال البلاغي كما يعرفه علم البيان في الأدب الانجليزي مثلا هو سؤال لا يقصد الى تحديد جواب, شاف أو غير شاف بل هو تساؤل مطروح لرفع قضية أو إثارة مشكلة أو لمجرد التأثير العاطفي بالذات في نفس المتلقي. خمسة أجزاء للاعلان إن تحليل مضمون الاعلان الصهيوني الذي بين أيدينا (منشور بتاريخ 2 / 1 / 2001) يشير الى أنه مركب من 5 أجزاء: الجزء الأول: هو العنوان الذي أسلفنا الاشارة اليه في مستهل هذا المبحث.. ولكن العنوان يضيف أيضا في مساحة بارزة عبارات منسوبة الى معنى القدس يقول فيها الاعلان: أكبر رجل دين فلسطيني مسلم يقول: كلما صغرت سن الشهيد, كبر في عيني, وبالمناسبة وردت كلمة (مسلم) بالحروف الانجليز الكبير حرف التاج كابيتال إشارة الى أن المقصود هو الدين الاسلامي بالدرجة الأولى. الجزء الخامس الأخير هو توقيع اللجنة اليهودية الأمريكية وعنوانها وشعارها المنافق الذي أشرنا اليه فيما سبق من سطور. أما الجزأين الثالث والرابع من متن الاعلان, وقد رأينا تأخير الحديث عنهما بحكم أهمية كل منهما. فهما يتألفان من عنصر السؤال أو التساؤلات البلاغية كما وصفناها ويليه عنصر الاجابات التي تريد أن تخلص الى فحوى الهدف المطلوب. والتساؤلات تترى من قبيل: اسألوا لماذا تدير منظمة فتح التابعة لياسر عرفات معسكرات لتدريب الأطفال على استخدام السلاح وعلى فنيات تكنيك مهاجمة الاسرائيليين واختطافهم. التحليل المنطقي ممنوع والمطلوب في هذه السياقات أن تتوالى الأسئلة كي تقطع الطريق على أي تحليل أو مجرد تفكير, مجرد تفكير قد يراود المتلقي الأمريكي, أو غير الأمريكي لكي يتساءل بدوره: أي قيم للمواطنة يتعلمها الناشئة وبلادهم ترزح فعليا تحت نير الاحتلال؟ أو يتساءل أيضا: كيف يسيغ أي عقل متزن القول بأن الأطفال الفلسطينيين (وهم من جيل الشهيد محمد الدرة) وتدور أعمارهم الغضة حول العاشرة من العمر يدرَّبون على.. الاعتداء على الاسرائيليين ناهيك عن اختطافهم.. وبأي سلاح يعتدون.. بالحجارة.. أو دواليب الكاوتشوك.. وعلى من يعتدون؟.. على جنود يركبون الدبابات أم على مستوطنين مسلحين بالكلاشينكوف دع عنك أن يخطفونهم.. ومتى؟ ثم تنهال أسئلة أخرى من الاعلانات الأمريكية: اسألوا لماذا تشجع المدارس والمدرسون والميديا (الفلسطينية أو العربية طبعا) الأطفال على الانضمام الى الصراع.. و لماذا يدفع الأطفال مباشرة الى نقاط المواجهة بين المسلحين الفلسطينيين والجنود الاسرائيليين بدلا من إبقاء الأطفال في البيت أو في المدرسة. ثم ترتفع نبرة الادعاء الانساني.. لتطرح سؤالا محوريا وقصيرا يقول: لماذا.. يموت الأطفال الفلسطينيون؟ والمطلوب أن يتجاهل قارىء مثل هذا السؤال كل مشاهد القتل.. كل المجازر التي تنصبها الدبابات والمدافع والحوامات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة وكله, كله مسجل باليوم واللحظة, وبالصوت والصورة وأحيانا في لحظة وقوع الحدث الفاجع ذاتها. المطلوب نسيان هذا كله وإلقاء اللوم في رأي اللوبي الصهيوني الأمريكي على عاتق القيادة الفلسطينية لماذا.. وكيف؟ توجيه اللوم للضحايا هنا يعمد الاعلان الخبيث الى (لملمة) شذرات من تصريحات وأخبار ويحرص على أن يسلكها ضمن نسق واحد ينشره في نقاط محددة ضمن سياق الاعلان وتحت عنوان فرعي يخلص اليه ويقول فيه: لا عجب (عزيزي القارىء). إن صبيا فلسطينيا في الثانية عشرة يبلغ صحيفة (التايمز) البريطانية أنه اذا مات شهيدا فسيكون نصيبه (الجنة). وأن تعلن النساء الفلسطينيات أنهن سيلدن المزيد من الأطفال والشهداء.. نحن هنا بازاء منظومة قيم تختلف نوعيا وجذريا عن منظومة قيم تختلف نوعيا وجذريا عن منظومة القيم السائدة, أو التي ينبغي أن تسود في عالم الاسلام والعروبة وفي مقدمة هذه القيم معنى التضحية والاستشهاد وهو معنى لا يرادف كما يظن الآخرون الموت أو الضياع أو العدم. إن المنطق الصهيوني في هذا السياق بالذات يعمد الى القاء اللوم أساسا على المجني عليهم.. وهو منطق شيطاني شرير تنبه اليه مبكرا المفكر العربي الفلسطيني ادوارد سعيد ولخصه في عنوان واحد من كتبه المهمة وهو (إلقاء اللوم على الضحايا) ويقرب من مثل هذا المعنى, والقياس طبعا مع الفارق ما ذهب اليه البروفيسور (بني موريس) وهو من مدرسة المؤرخين الجدد في اسرائيل في كتابه المهم بدوره الصادر عام 1999 بعنوان (الضحايا على حق). مؤامرات العدو ولا يفوتنا في هذا المبحث أن ننبه زملاءنا من الصحفيين والباحثين والكتاب العرب الى أهمية التدقيق فيما يكتبون فالعدو لئيم حاذق الى أبعد الحدود.. وهو متربص لاقتناص أي سانحة من فرصة للافادة حتى مما ينشره العرب في صحفهم واعلامهم من طروحات وكتابات. وربما رأى كاتب عربي أن يكتب في صحيفة زميلة تصدر في لندن نقدا لما يراه من وجهة نظره تقصيرا من جانب زعامات فلسطينية.. والحاصل أن الاعلان الصهيوني المنشور في صحف أمريكا بادر الى استغلال نقد الكاتب العربي فقدمه مترجما ومشفوعا باسم الصحيفة العربية على أنه (شاهد من أهلها) حيث يقول الصحفي الشاهد العربي متسائلا بدوره. أي نوع من الاستقلال.. يقوم على دماء الأطفال بينما الزعماء وأبناؤهم وأحفادهم آمنون مطمئنون؟ وأنت تعجب لهذه المهارة في استخدام, أو بالأدق استغلال سؤال الكاتب العربي المنشور في الصحيفة العربية.. كي يقول الاعلان اليهودي الاسرائيلي لقارئيه: لسنا وحدنا الذين نشجب تعريض الأطفال للقتل. لا عجب أن ينهي الاعلان مهمته فيقول: (أرأيت إذن.. لماذا يموت الأطفال الفلسطينيون)؟ .. ثم يضيف قائلا : عادة يطرح هذا السؤال على اسرائيل ولكن القادة الفلسطينيون مدينون لشعبهم وللعالم باجابة السؤال.. فبدلا من اعداد ابنائهم (أطفالهم) للسلام.. لماذا يصنعون من هؤلاء الأطفال (شهداء يموتون)؟.. ومن البديهي أن نتساءل من جانبنا أي سلام يريدون؟ إنه سلام الهيمنة الاسرائيلية الصهيونية على فلسطين بل وعلى أقدار منطقتنا بأسرها هو (باكس رومانا) أو (باكس بريتانيكا) سلام الرومان أيام سطوتهم واستعبادهم للشعوب أو سلام الانجليز أيام امبراطوريتهم الاستعمارية. ألم نقل أنهم عمدوا الى الباس الباطل ثوب الحق.. وكذلك يفعلون؟ كاتب سياسي من مصر