يواصل أحمد أمين عام 1948 تحليل واقع نكبة فلسطين بعين بصيرة لعلها تدمع احيانا من فداحة الكارثة لكنها تظل ناظرة الى هول الحدث الجلل ويحاول احمد أمين ايقاظ الضمائر العربية. فنقرأ له خاتمة الرواية الخيالية ، التي كتبها تحت عنوان (لو عاد موسى وعيسى ومحمد) حيث ضمنها على لسان الانبياء ما استخلصه من عبرة امام حالة العرب والمسلمين وفلسطين السليبة قوله: (كان ذلك والناس في غفلة من امرهم والحق يعمى عليهم... اما وقد بينا الحق وتكفل الله ان يحفظه الى اليوم وبعد اليوم, ونضج عقل الناس ولكن اعمتهم شهواتهم فلا سبيل الا ان يتركوا وشأنهم يتعلمون السعادة من الشقاء ويعرفون فضل الجنة بعذاب النار. ان للناس قلوبا ولكن لا يفقهون بها وعيونا ولكن لا يبصرون بها وآذانا ولكن لا يسمعون بها. فليجنوا ثمرة عماهم وصممهم وجحود قلوبهم, حتى يستفيقوا من غفلتهم (انا هديناه السبيل اما شاكرا وإما كفورا) وعلى اثر هذه الرواية, نشرت مجلة (الهلال) ندوة حوارية اشترك فيها كل من الامير سيف الاسلام عبدالله وعلي زكي العرابي باشا وصالح حرب باشا وعبدالله اباظة بكر واجابوا فيه من ص 18 الى ص22 على سؤال الهلال وهو: (هل هناك وسيلة غير الحرب لحل المسألة الصهيونية؟) وهو كما نرى سؤال يطرحه اليوم جيل القرن الحادي والعشرين. ما هو الحل: (الحرب ام السلام؟ وكيف نستعد للحرب؟ وما هو منظور السلام؟ يقول العرابي باشا: (الجواب واضح فالعرب يواجهون عصابات اجرامية متطرفة اشربت روح الوحشية والعدوان يؤيدها ويناصرها في عدوانها بلاد العلم والنور والثقافة والمدنية أوروبا وامريكا وليس لنا الا السيف والمدفع...) اما الامير سيف الاسلام عبدالله فيقول: (اخطر العرب الى السيف بعد ان اخفقت جميع الوسائل السلمية والطرق الدبلوماسية مع هؤلاء الصهيونيين وبعد ان راح الارهابيون منهم يعتدون على الآمنيين غدرا وخيانة لا يرعون للشيوخ والنساء حرمة ولا تأخذهم بالاطفال رحمة, اضطر العرب ازاء ذلك الى القيام كتلة واحدة لوقفهم عند حدهم وحد عدوانهم ضد قلب الشرق العربي وعموده الفقري...) اما صالح حرب باشا فقال: (اما وقد بلغت الحال في فلسطين ما بلغته وغدا الصهاينة يبقرون بطون النساء ويذبحون الاطفال ويشيعون الرعب والفزع في كل مكان فلم يكن ثمة مفر من ان نكيل لهم الصاع صاعين ولكني اعتب على الفلسطينيين تشجيعهم للصهاينة على التغلغل في بلادهم ببيع الاراضي لهم) ويقول عبدالله اباظة بك ان الدافع الاول لانشاء وطن قومي لليهود هو دافع اقتصادي قبل ان يكون دينيا ولا اعتقد ان الوسائل السلمية مع الصهاينة كانت تجدي في قمع اطماعهم المادية...). نرى من خلال مداخلات هذه النخبة العربية ان الاتفاق حول استعمال سلاح الحرب اتفاق كامل امام الغطرسة والقمع والتنكيل كما نرى ان قتل الاطفال وترويع الابرياء, في فلسطين ليس بالأمر الجديد ونحن على اعتاب قرن جديد فالحالة استفحلت والأمر استعصى وأصبح خيار الجهاد هو الافضل. ثم يجيب المشاركون في الندوة على سؤال طريف هو: والمستقبل؟ فيقول الامير سيف الاسلام: (يجب ان ينفذ حق تقرير المصير ففي حالة نصر العرب وهو مؤكد بإذن الله يجب ان تترك الحرية لاهل فلسطين....) اما زكي العرابي فيقول: (ان الجيوش العربية بأسرها تحارب في سبيل استقلال فلسطين والواجب يقضي بترك فلسطين حرة بعد انتهاء القتال واحراز النصر...) ويقول صالح حرب باشا: (بعد هزيمة الصهاينة يستفتي الفلسطينيون في امورهم) ويضيف عبدالله اباظة بك قائلا: (ارى ان وضع فلسطين يتوقف على الحالة بعد هزيمة الصهاينة فإذا اعترف فهم بجانب من فلسطين يقيمون فيه حكومة خاصة وظلوا كالخميرة داخل البلاد ويجب ان تدخل فلسطين في كنف الجامعة العربية...) هذه بعض التصورات للمستقبل كما حددتها ندوة الهلال. ونعود الى أحمد امين الذي كتب في كتاب (حياتي) ص262 (طبعة دار الكتاب العربي بيروت) ما يلي: (انا مرتاح هذه الايام (عام 1948) لما اصاب البلاد العربية من احداث فلسطين يقلقني جدا الصهاينة وهزل العرب, واجتماع كلمة الاولين وتفرق الآخرين ووقوف الاولين على اساليب السياسة الاوروبية والامريكية والروسية وفهمهم الدقيق للاوضاع واستغلالهم الفرص السانحة وجري العرب على سياسة الارتجال وجهلهم ما يجري خلف الستار وتقصيرهم في جمع كلمتهم وتوحيد خططهم وأكرر السؤال على نفسي: ماذا سيكون المصير لو استمر الصهاينة في تكاتفهم واستمر العرب في هزلهم وتخاذلهم واني كنت اعجب من ضياع الاندلس واليوم تتجدد المأساة). رحم الله احمد امين وجيل 48 وعسى ان يجيب جيل 2000 عن الاسئلة المريرة نفسها التي طرحوها وظلت بلا جواب. * استاذ الاعلام بجامعة قطر