حتى الذين عايشوا عهده من بدايته الى نهايته ولا يزالون على قيد الحياة حتى اليوم يجدون ان من الصعب ان يصدقوا انه عندما رحل في عام 1970 كان عمره 52 عاما فقط. ولكن مع حلول اجل رحيله كان جمال عبدالناصر خلال عمره القصير بمقياس اعمار الزعامات التاريخية قد خلق او ساهم في خلق احدى عشرة بؤرة معادية للامبريالية الامريكية بطول العالم العربي وعرضه. لقد كان صراع عبدالناصر ضد الولايات المتحدة باسم الوطن العربي كله. وبهذه الصفة كان معركة استراتيجية تاريخية طويلة المدى بمثل ما كانت شخصية عبدالناصر نفسه ذات طبيعة استراتيجية كرست لتغيير مجرى التاريخ المعاصر. واذا اردنا تلخيص مسار الاستراتيجية الامريكية خلال السنوات الثلاثين الاخيرة منذ غياب ناصر فإن بوسعنا ان نقول ان هدفها الاكبر تجاه العالم العربي هو ضمان الا يبرز من بين صفوف الامة العربية ناصر جديد يخاطب التاريخ. والعالم باسم شعوبها اجمعين لا باسم شعب واحد او بلد واحد. بالاضافة الى مصر نفسها كانت البؤر العربية الاخرى العشر المعادية للهيمنة الامريكية التي خلقها او ساهم في خلقها عبدالناصر هي: الثورة الجزائرية المسلحة (1954 ــ 1962) ــ المعارضة التونسية ضد نظام بورقيبة لمدى عقدي الخمسينيات والستينيات ــ الوحدة المصرية السورية (1958 ــ 1961) ــ انبعاث القوى الوطنية في لبنان خلال الخمسينيات ــ ثورة العراق في عام 1958 ــ ثورة اليمن الشمالي في عام 1962 ــ الثورة المسلحة في اليمن الجنوبي في الستينيات ــ الثورة الليبية بقيادة القذافي وثورة (مايو) في السودان وثورة الصومال.. وثلاثتها جميعا وقعت في عام 1969. مع ذلك فإن عبدالناصر لم يكن هو الطرف البادىء بالعداء في تعامل ثورة 23 يوليو مع الولايات المتحدة. على العكس من ذلك قام الانقلاب المصري في عام 1952 كحركة صديقة للولايات المتحدة ومؤيدة منها. ففي تلك الحقبة المبكرة التالية مباشرة لنهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 كانت صورة امريكا في العالم آنئذ غير صورتها التي ظهرت لاحقا ونراها اليوم ابتداء من منتصف عقد الخمسينيات. لقد كانت امريكا نموذج الدولة التقدمية المناهضة للاستعمار الاوروبي والداعية الى تحرير الشعوب من ذلك الاستعمار. وما كان متاحا لقادة التحرر الوطني في افريقيا وآسيا آنذاك من امثال جمال عبدالناصر ان يعرفوا ان الهدف الامريكي الخفي من تصفية الاستعمار الاوروبي هو ان يحل عوضا عنه استعمار امريكي من نوع حديث. ولذا فإنه عندما قام انقلاب 23 يوليو 1952 في مصر كان اكبر مستشار لمجلس قيادة الثورة هو كيرميت روزفلت ممثل وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية في السفارة الامريكية في القاهرة. بل ان صلة السفارة الامريكية بتنظيم (الضباط الاحرار) الذي نفذ العملية الانقلابية كانت قائمة حتى قبل وقوع الانقلاب وكان صلة الوصل بين التنظيم والسفارة (الصاغ) علي صبري ــ احد اعضاء مجلس الثورة لاحقا. ليس هذا استنتاجا وانما هو وقائع تاريخية موثقة وردت في مذكرات عدد من اعضاء مجلس الثورة المصري نفسه. كما انها اكدت في بعض كتب محمد حسنين هيكل. ومن ابرزها في هذا الصدد كتاب (عبدالناصر والعالم). ولكن متى.. ولماذا وقع الشقاق بين عبدالناصر وواشنطن؟