أمريكا هي القوة الدافعة لطوفان العولمة الرأسمالية الكاسحة التي قد تجتاح العالم اقتصاديا وثقافيا في آن معا بما في ذلك تدمير المجتمعات غير الامريكية. وبشقيها الاقتصادي والثقافي فإن العولمة الرأسمالية الامريكية هي غول المستقبل.. وبهذه الصفة فانها تمثل خطرا حضاريا جسيما. هذا هو الهاجس الاعظم الذي يدفع اليابان الآن, كقوة اقتصادية عالمية, وفي الوقت نفسه كيان ثقافي ديني يستند الى تراث البوذية الروحي, الى التفكير الجاد في التحالف مع قوة حضارية اخرى تملك مؤهلات الصمود والتحدي والتصدي ضد مد العولمة الحضارية الامريكية. بالامس في عهد الحرب الباردة, كانت هذه القوة الحضارية المناوئة هي الشيوعية العالمية, واليوم وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي الدولي, وبالتالي ضمور وتلاشي المد الشيوعي, فإن هذا الفراغ في حلبة الصراع المذهبي العالمي يملأه المد الاسلامي ومن ورائه عقيدة وتراث حضاري يمثلهما اكثر من مليار مسلم في ارجاء الدنيا. وهذا هو الاساس الذي بنيت عليه فيما يبدو (مبادرة كونو) اليابانية المنسوبة الى وزير الخارجية يوهي كونو. في جولته الخليجية اعلن كونو انه من اجل نجاح الدبلوماسية اليابانية (فإن الحصول على معرفة كافية عن الاسلام امر ضروري ومهم جدا). ولهذا الغرض الكبير شكل كونو (لجنة للدراسات الاسلامية) في وزارة الخارجية اليابانية (استعدادا (للحوار مع الاسلام). جولة الوزير الياباني في الخليج هي اذن (الطلقة الاستهلالية) لمعركة حضارية تعتزم اليابان الخوض فيها بالتحالف مع العالم الاسلامي والحضارة الاسلامية للتصدي للهجمة الحضارية العدوانية للرأسمالية العالمية الامريكية. ولن نفهم هذه المبادرة اليابانية التاريخية على وجهها الصحيح دون ان نضع في الاعتبار الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة على اليابان. لقد رأينا كيف سعت الرأسمالية الامريكية الى محاربة الزحف الاقتصادي الياباني في الأسواق العالمية على مرحلتين متلاحقتين.. عن طريق الضغط السياسي اولا لحمل الحكومة اليابانية على فتح السوق اليابانية للمزيد من المنتجات الصناعية الامريكية.. وثانيا عن طريق التلاعب في سوق العملات العالمية في اسعار صرف الين الياباني. المرحلة الثالثة للحرب الامريكية هي الاخطر. في هذه المرحلة التي بدأت عام 1997 ألحقت الولايات المتحدة ضربات قاصمة باقتصادات تايلاند واندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية. كانت هذه اهدافا غير مباشرة, القصد منها ضرب الاقتصاد الياباني. فالبلدان المذكورة ليست اسواقا ضخمة فحسب للصادرات اليابانية, بل هي وأهم من ذلك مواقع رئيسية متقدمة لاستثمارات صناعية واسعة لرؤوس الاموال اليابانية. وكانت النتيجة احداث ركود متسلسل داخل اليابان يعاني منه الاقتصاد الوطني الياباني حتى اليوم. وهذا هو الوجه العدواني للرأسمالية الامريكية الذي تخشى اليابان ان يتكرر مستقبلا وبصورة اكثر تدميرا. باختصار.. اكتشفت اليابان انها بإزاء المد العدواني للعولمة الرأسمالية الامريكية, تجاوز مسألة حياة او موت.. واكتشفت ثانيا خطورة الغزو الثقافي للرأسمالية العالمية الذي يستهدف القيم الاجتماعية للشعوب. و(مبادرة كونو) هي على هذا الاساس مسعى لحشد حضاري عالمي للتصدي لسلبيات العولمة الرأسمالية. وتحت شعار (رأسمالية بوجه انساني) يبدو ان اليابان قد عقدت العزم في هذا السياق على ابرام شراكة تحالفية مع مد الحضارة الاسلامية.