كانت (روايات الحبيب) واحدة من اهم سلاسل الكتب في تاريخ القرن الذي اصبح لسوء الحظ, ماضيا.. وكانت تصدر اسبوعيا كل يوم جمعة منذ عام 1935 لتترجم الى اللغة العربية, احدى الروايات العالمية, وتباع بعشرة مليمات, بينما كان عدد صفحات بعض رواياتها يقترب من اربعمئة صفحة من القطع المتوسط, ولذلك انتشرت في كل انحاء الوطن العربي, وحققت لصاحبها ومترجم معظم رواياتها (عمر عبدالعزيز امين) ارباحا طائلة, مكنته من ان ينشىء دارا صحفيفة, تصدر ثلاث مجلات اسبوعية اخرى, احداها سياسية هي (مسامرات الجيب) والثانية فنية هي (الاستديو) وثالثة فكاهية هي (اضحك) لمع على صفحاتها اسماء روائيين كبار مثل (يوسف السباعي) وكتاب ومفكرون بارزون كان منهم (محمد عودة) و(لطفي الخولي). بعد ــ ومع ــ قصص الانبياء وسير الشهداء, التي كنت اقرأها لأمي الامية, وأنا لا ازال تلميذا في المدرسة الابتدائية, بدأت أقرأ ــ لنفسي ــ مجلات الاطفال التي كانت شائعة ايام طفولتنا ــ (البلبل) و(علي بابا) و(سندباد) ثم شغفت بقراءة الروايات.. وكانت (روايات الجيب) هي اول بختي, بينما كنت واحدا من أواخر بختها, فقد أدركها الزمن, فانخفض عدد صفحاتها الى النصف, وارتفع ثمنها ثلاثة اضعاف, كعرض من اعراض الغلاء الفاحش الذي اعقب الحرب العالمية الثانية, وبعد روايات (بلزاك) او (بيرل بك) و(سومرت موم) و(تولستوي) و(تورجنيف) و(ستويفسكي), وكعرض من اعراض هبوط الذوق العام, بدأت تتخصص في نشر الروايات البوليسية ومنها روايات السير (آرثر كونان رويل) وبطلها شارلوك هولمز) والكاتب الفرنسي (موريس لبلان) وبطلها (ارسين لوبين) و(اجاثا كريستي) وبطلها (هركليبس بوارو) ومع انني كنت اجمع اعدادها القديمة من على سور الازبكية, واقرأها, الا انني شغفت بقراءة الروايات البوليسية, حتى كادت تفسد عقلي.. وكان من حسن حظي ان ابي دخل مرة الى الحجرة التي كنت استذكر فيها انا وأخي دروسنا, لكي يبحث عن شيء, وقلب في الكتب, فإذا به يعثر على مخزوني الاستراتيجي من روايات الجيب, ومن بينها الروايات البوليسية, ورواية عشيق الليدي شاترلي) للسير (د. هو لورنس) وهي رواية جميلة, لولا صفحات من الجنس الفاضح صودرت بسببها في طبعتها الانجليزية قبل ان يفرج عنها القضاء. ومع ان ابي لم يكن من قراء الادب او من دارسي التربية الا انه استشعر المسئولية تجاهي, وخشي ــ فيما يبدو ــ ان يقودني هذا النوع من القراءات الى ان اصبح لصا كأرسين لوبين, أو ان اغرق في الجنس, فلفت نظري بهدوء الى ان ما اقرأه هو روايات رخيصة لا تناسب سني, وقال: اذا كنت غاوي قراية.. اناح اجيب لك كتب كويسة!. وفي اليوم التالي, اهداني نسخة من الجزء الاول من سيرة طه حسين الذاتية (الأيام). وكانت تلك هي البداية التي جعلتني انصرف عن قراءة (روايات الجيب) ليتسع افق قراءاتي في الادب, فيشمل توفيق الحكيم ومحمود تيمور ونجيب محفوظ وعبدالرحمن الشرقاوي ومحمود البدوي ويوسف ادريس ويوسف السباعي ويوسف الشاروني وباكثير والسحار فضلا عن آخرين من اجيال سبقتهم وتلتهم.. وكنت في مطلع مراهقتي حين شدتني المناظرة التي اشتعلت في بداية الخمسينيات بين الادباء الشبان الذين كانوا يدعون الى انتهاء عصر الادب الاناني الذي يعبد نفسه, ويزعم للناس انه يعبد فنه ليبدأ عصر الادب الملتزم بالحياة, وبين ادباء الجيل القديم المتمسكين بارستقراطية الادب وترفعه, الحريصين على البقاء في ابراجهم العاجية.. ومع ان المناظرة كانت تعكس مواقف استقطابية من النوع الذي نفرت منه دائما, فقد انحزت الى شعار الادب في سبيل الحياة, الذي رفعه شباب ادباء ذلك الزمان, ليؤسسوا به (التيار الواقعي) في الادب الذي تراوحت تسميته بين (الواقعية الاشتراكية) و(الواقعية النقدية) و(الواقعية الجديدة) ولم يكن هذا التيار بعيدا عن التيارات السياسية والاجتماعية, التي سادت العالم في اعقاب الحرب العالمية الثانية, والتي رفرفت خلالها في انحاء المعمورة, اعلام التحرر من القهر القومي والاجتماعي. ولم يكن التيار الواقعي يستبعد الجنس في كتاباته الروائية او الشعرية, باعتباره احد حقائق الواقع, ولكن كان هناك خيط رفيع, ومع ذلك واضح, بين التعبير عن الجنس بشكل فني, وبهدف اضاءة جوانب معتمة في النفس الانسانية, وبين استخدام الجنس بشكل مفرط وغير فني, يستهدف الاثارة الجنسية وحدها, او يشجع الانسان على الانغلاق على ذاته, والانتماء لجسده وحده, وعلى السعي الى لذاته الحسية على حساب اية قيمة اخلاقية او اجتماعية, او التزام بأن يكون الادب اداة لترقية وجدان الشعوب وللتقدم الاجتماعي. كان ذلك الخيط الرفيع واضحا لنا حين نقارن الجنس في قصص وروايات (نجيب محفوظ) والشرقاوي والسباعي بل وحتى احسان عبدالقدوس, الذي كانت رواياته اكثر احتفاء به, بمثيله في قصص وروايات (فؤاد القصاص) و(عزيز ارماني) وهما قصاصان ينتميان للجيل نفسه, تخصصا في كتابة القصص الجنسية المثيرة من نوع (خذني بعاري) او (اجساد ملتهبة) كانت تجد رواجا واسعا بين المراهقين, وبين محدودي التعليم من الطبقات الشعبية الذين يعرفون القراءة ولا يعرفون الكتابة, ولأنه لا يصح الا الصحيح, ولأن ما ينفع الناس يبقى في الارض, بينما يذهب الزبد جفاء, فقد طواهما النسيان! في تلك السنوات كنا نفرق بين الادب الحق الذي يعبر عن الحياة ويسعى لتطويرها, وبين الآداب المنحطة التي تسعى للتسلية وتخدر الناس وتغرقهم في الاوهام, وتزيف وعيهم وكنا نفضل الادب الواقعي القح الذي يعقد بطولته للعمال والفلاحين والنساء الجادات اللواتي تعملن في المصانع والحقول او توزعن المناشير الثورية, ونحتقر الروايات التي تنظر للمرأة باعتبارها دمية يلعب بها الرجل او تلعب به, او كائنا بيولوجيا ينتقل بين المطبخ والسرير والتي تدعو للتسامي بالغرائز, ومنها غرائز التملك والجنس والانانية, لتتوجه نحو العمل على تغيير وجه الحياة, لنكون اكثر عدلا وأكثر انسانية واكثر حرية! ولابد ان شيئا ما قد حدث وأدى ــ منذ بداية التسعينيات ــ الى بروز تيار محدود, ولكنه بارز في الكتابة الادبية يستخدم الجنس بشكل فيه كثير من المباشرة والمبالغة والقبح... قد يكون سببه هو انهيار (التيار الواقعي) بتنويعاته المختلفة من (الواقعية الرومانسية) الى (الواقعية النقدية) ومن (الواقعية الاشتراكية) الى (الواقعية الجديدة) وقد يكون السبب هو تأثره بالثورة التي كبتت طاقاته بما في ذلك المحرمات الجنسية, واعادت الاعتبار الى الاثارة الجنسية باعتبارها فنا, وقد يكون السبب هو ان المجتمعات العربية قد شهدت بعثا لنشاطات الجماعات الدينية مما احيا فيها التشدد الخلقي والسلوكي, كان طبيعيا ان يخلق رد فعله المضاد في تمرد جنسي على صعيد الواقع.. وعلى صعيد الفن. وهكذا عاد الجنس ليصبح مشكلة الادب, واصبحت الزوابع تثور بين الحين والآخر بسبب صفحة في رواية او عبارات في قصيدة مما يعرف الآن بقصيدة النثر, ومنذ سنوات لفتت زوجتي نظري الى نص نشرته احدى المجلات الادبية, فلما قرأته وجدت مفرداته تنتمي الى هذا النوع من الادب المقرف... ولم اجد وسيلة لكي اتخلص من استفزازه لي, الا بأن اشك المجلة التي نشرته مقلبا ساخنا, واكتب لها اي كلام على نسقه, وارسله لها باسم مستعار واثقا انها ستنشره وتحتفي به, باعتباره ينتمي الى مدرسة (الواقعية الجنسية) التي حلت محل مدرسة (الواقعية الاشتراكية) فتعاونت مع زوجتي في كتابة قصيدة نثر عصماء مطلعها (نزلت البحر ياهوه/ فانقطع حزام المايوه, فآه.. ثم آه.. قم ايوه). ومن حسن حظ المجلة, ان غضبي كان قد انطفأ بعد ان كتبت هذه القصيدة المسخرة, فلم ارسل لها النص, الذي ما زلت احتفظ به في اوراقي, بعد ان وثقت تاريخ كتابته في الشهر العقاري, لكي يطالب ورثتي ــ بعد عمر طويل ــ بحقي في ان اكون احد رواد هذه الواقعية في الشعر العربي المعاصر. ما ادهشني ان اصحاب هذا التيار في الكتابة الادبية, يهاجمون بضراوة فرق المسرح التجاري لانها تحشد في عروضها اكبر مجموعة من الاجساد الانثوية الساخنة, من الفتيات الروسيات, وهو ما يؤكد ان هناك علاقة ما بين تحول الاتحاد السوفييتي الى اتحاد روسي.. وتحول (الواقعية الاشتراكية) الى واقعية جنسية وحرص نجوم الاغنية الشبابية على ان تعرضها في فيديو كليب يزدحم بالحشد نفسه, ويعتبرون ذلك كله فنا تجاريا مبتذلا, مع ان ما يكتبونه من فن لا يختلف من حيث الجوهر عما يقدمه هؤلاء وأولئك, و يزحمون به اعمالهم من جنس لا تمليه ضرورات فنية كما يدعون, ولكنه يفحم على النصوص الادبية لأهداف تجارية محضة, اما لأحداث فرقعة تنتهي بمصادرة اعمالهم فيتحولون الى كتاب لامعين بين يوم وليلة, او لمعابثة بعض دور النشر الاوروبية, التي تسعى للبحث عن هذا النوع من الادب, الذي يخترق المحرمات لتترجمه, فيصبحون كتابا عالميين مثل نجيب محفوظ من دون ان يبذلوا اي مجهود.. اسخف ما في الموضوع هو ان اصحاب هذا الاتجاه في الكتابة الادبية, يعتبرون كل مساس بخنفسه او صرصور او فوطة صحية مما يدسونه في اعمالهم, مصادرة لحرية الابداع التي هي في رأيهم مطلقة, وهو شعار ينطوي على رطانه لا معنى لها, فلا شيء مطلق في هذا الكون. بما في ذلك الحرية, حتى لو اكتملت اسبابها, وحرية كل انسان هي جزء من حرية الآخرين تجيز حتى مواثيق حقوق الانسان وضع قيود عليها, حماية لحريات وحقوق غيره من البشر, وحرية الابداع يمكن ان تكون مطلقة فعلا, والمبدع يمكن الا يكون مسئولا عن ابداعه الا امام نفسه, في حالة واحدة, هي ان يكتب قصصه وقصائده وخنافسه الاخرى, في بيته, ويقرأها لنفسه فقط, ثم يقوم لينام وهو يغني اغنية ام كلثوم الشهيرة (انا وابداعي يا ليل غايبين عن الوجدان.. يطلع علينا القمر ويغيب كأنه ما كان), لأنه لو قرأها حتى لزوجته, فمن حقها ان ترفع دعوى تطالب فيها بالخلع لانه يفرض عليها سماع ما قد لا تستسيغه من ادب, وما قد تفضل عليه مسلسلا تلفزيونيا, لا يقل عنه سخفا واملالا, وان كان اكثر منه تهذيبا.. ثم لماذا تكون حرية الابداع وحدها, هي المطلقة من دون بقية الحريات في هذا الوطن العربي الذي تسوده ــ على صعيد القمة والقاعدة ــ نوازع الاستبداد, واذا كان الله قد فتح على المبدعين ــ من دون بقية العرب ــ بحرية مطلقة فلماذا لا يستغلونها في الدعوة لتوسيع نطاق الحريات والحقوق العامة, من حرية تشكيل الاحزاب والجمعيات الى حق النوم بمعدة ممتلئة بدلا من قصرها على الدعوة الى حرية المشي العادي. ما يفوت على هؤلاء المبدعين الغائبين عن الوجدان, هو ان الطريقة المنغلقة وغير المسئولة التي يمارسون بها حريتهم في الابداع, في مجتمعات بدأت تعود الى المحافظة الخلقية وصلت الى حد كبير من الالتزام, لا نتيجة من ورائه الا اثارة الناس ضد الحرية, وضد جماعة المبدعين, وضد الثقافة المستنيرة بشكل عام, اعطاء اسلحة لخصومهم لتصويرهم باعتبارهم جماعة منحلة خلقيا وهو ما يزيد من تهميشهم, ومن عزلتهم, ويفقدهم التأثير في الناس. حرية الابداع يمكن ان تكون مطلقة لو كنا لا نزال نعيش في العصر الوسيط, حين كان المؤلف يكتب مصنفه من نسخة واحدة, يقدمها للسلطان او يحتفظ بها في بيته,و ليستنسخها من يريد, وكفى الله بقية الناس شر ما ابدع المبدع, او لو كنا في العصر الجاهلي حين كان الشاعر يحفظ قصيدته ويلف بها في الاسواق وهو ينادي (ريان يا شعر... مرعرع وطازه يا ابداع) حتى يلتف حوله عدد من الناس فينشدهم اياها, فيصفقون له ان اعجبتهم, ويرجمونه بالبيض الفاسد اذا لم تعجبهم اما وقد اصبح الابداع صناعة بعد ظهور الطباعة وطرق النسخ الميكانيكي الاخرى فقد اصبح للمبدع شركاء آخرين في المسئولية عن ابداعه, وهي مسئولية سياسية واجتماعية بل وقانونية لا تتسق مع القول بأن المبدع مسئول امام نفسه فقط, وهو شعار يدل على جهل الذين يطلقونه بالقوانين التي تنظم مهنة الابداع, وهي تقضي ــ في حالة نشر كتابات منافية للآداب العامة او تغري على الفجور ــ بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة تتراوح بين خمسة آلاف جنية وعشرة آلاف جنيه, تطول المؤلف والطابع والناشر والمعلن والموزع... اما والامر كذلك فليس من حق المبدع الذي ينتمي الى مدرسة الواقعية الجنسية ان يتوهم انه مسئول امام نفسه فقط, انه يورط الناشر والطابع والموزع والمعلن, في المسئولية عما كتب امام القانون, ومن حق كل هؤلاء, ان يرفضوا نشر ابداعه, وفي هذه الحالة فمن حقه ان يبحث عن غيرهم من دون ضرورة لاثارة الضجيج, او لاصدار بيانات التباكي على حرية الابداع, فإذا اعتذر الجميع عن تحمل المسئولية القانونية عن نشر ما كتب, فمن حقه, ان يحمل ابداعه على رأسه ويسير به في الشوارع وهو ينادي: مرعرع وطازه يا ابداع!