الرجال الذين يتركون آثارا عظيمة في عالمهم لا يموتون أبدا... قد تبلى اجسادهم, او تتهاوى, لكن الآثار العظيمة التي تبقى دائما, لا يواريها الثرى, ولا يعلوها الغبار. ويظل هؤلاء, وإن غيبهم الموت, نجوما تتلألأ في سماء مجتمعاتهم, يهتدي بضوئهم الناس, ويمضون على نهجهم, وتقتدي بآثارهم المجتمعات, وهي تمضي في طريقها نحو التقدم. فهؤلاء الرجال هم الذين يسجلهم التاريخ على تعاقب الاجيال, فيما يغفل اسماء كثيرة لرجال سعوا الى مصالحهم الذاتية, بعيدا عن المصلحة العامة, وخير الجماعة. ولقد مني العالمان العربي والاسلامي ــ الاسبوع الماضي ــ بافتقاد عالمين جليلين, هما الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين, والشيخ العلامة محمد مهدي شمس الدين, اللذان غيب الموت جسديهما, وإن كانت ذاكرة التاريخ سوف تظل تحتفظ لهما بالكثير من الفضل, مسجلة لكل منهما ما بذله من جهد في سبيل دينه وأمته الكبيرة, وما أرسياه من منهج ستسلكه من بعده جمهرة غفيرة من الامتين العربية والاسلامية, من الذين يعرفون ان الاسلام هو دين الحكمة والموعظة الحسنة, كما هو دين القلب المنشرح والعقل المنفتح الذي يدرك ان الاختلاف سنة بثها الله ــ سبحانه ــ في خلقه, لأنه ــ جل شأنه ــ يعلم ان هذا الاختلاف يغني الوجود ويمضي به الى الامام, فالتنوع اللانهائي يتضمن وحدة متآلفة يعزف سيمفونيتها الكون كله, (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) صدق الله العظيم. لم يكن الشيخان الجليلان ــ رحمهما الله ــ عالمين متبحرين في امور الدين والحياة فحسب, لكنهما الى جانب ذلك كانا يجمعان بين الفهم العميق لروح الدين من ناحية, وتيسير الحياة على المسلمين في غير تفريط, وجعل الاعتدال والسماحة منهجا, من ناحية اخرى. كان الشيخ ابن عثيمين رحمه الله شخصية دينية مؤثرة من خلال ما عرف عنه من علم غزير, وقدرة على تمثل علمه في سلوكه وحياته, فقد كان عفيفا زاهدا في متاع الدنيا يدرك ان المسلم ينبغي ان يضع الله واليوم الآخر نصب عينيه, وهو يسلك في جميع مناشط الحياة, وكان معلما ومربيا, يدعو الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة, وقد احبه الناس لعلمه الغزير وأدبه الرفيع ولين جانبه, وقد اجلّه المقربون منه وتلامذته لما لمسوه فيه من تواضع وسماحة وحب حقيقي لخير المسلمين والاسلام. وكان يتمثل في دعوته الى الله الحكمة والموعظة الحسنة, منهجا وسلوكا. وكان دائما قريبا من الحق في وقت نفتقد فيه الحق عند كثير من اشباه العلماء, الذين يضللون الامة, اما بنقص علمهم وإما بإيثارهم مصالحهم الذاتية على مصالح الناس والاوطان, وهم بعض العلماء الذين حذرنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, حين قال: (ان اخوف ما اخاف عليكم الائمة المضلون). ولقد اتيح لي حضور محاضرة للشيخ ابن عثيمين منذ بضعة اشهر, كان ألقاها في (اسبوعية) الشيخ الجليل عثمان الصالح في الرياض, وكانت قاعات الاستماع مكتظة بالحضور, بينا تدفق الشيخ ابن عثيمين علما غزيرا ومنطقا حسنا ويقظة متفانية ــ برغم اعتلال صحته ــ وكانت المحاضرة في غاية الاهمية, حيث ربطت بين صلاح الفرد وصلاح الامة, وتحدثت عن اصلاح النفس والعمل على تطهيرها. كان دائما ــ رحمه الله ــ يلقي بآلامه وأوجاع مرضه العضال جانبا, وينهض بمسئوليته العامة تجاه جموع المسلمين كخير ما يكون العالم العامل بما يعلم. اما سماحة الشيخ العالم محمد مهدي شمس الدين, فقد كان رحمه الله مثالا للعالم الفقيه المجتهد الذي لم يقف عند حدود ما تعارف عليه السابقون وسلم به اللاحقون, لكنه بذل جهده كله في اكتساب العلم والمعرفة ليس في الدين والفقه فحسب, بل في السياسة والاجتماع والتاريخ, فبلغ مرتبة المرجعية في الدين فقيها ومجددا, ووصل الى مكانة عالية في الثقافة جعلته واعيا لمشكلات عصره ملما بتعمق, بالتحديات التي تواجه العرب والمسلمين سواء من الداخل او الخارج. عرف ان الاوطان لا تبقى الا اذا تعاضد ابناؤها مهما اختلفت مشاربهم وفئاتهم وطوائفهم, فدعا الى احترام الآخر المختلف والتعايش معه. ولم يكن يقصد بالآخر هنا من يختلف معه في المذهب فقط, بل كان هذا المعنى يتسع ليشمل المختلف في العقيدة نفسها, فكان يؤمن ــ رحمه الله ــ بقبول مبدأ الاختلاف مع المذاهب الاخرى في نطاق الاسلام بل التعايش مع الديانات الاخرى, وهو الذي قال عن بلده لبنان (ان لبنان لو لم يكن به مسيحيون لكان ينبغي ان يكون به مسيحيون) في مثال مضيء على رحابة الصدر والسعي الى التآلف لدى عالم مسلم فهم الاسلام خير ما يكون الفهم. زار العلامة شمس الدين الكويت غير مرة, وكانت آخر زيارة له عندما حضر الندوة التي عقدت في الكويت العام الماضي تحت عنوان (حاضر الثقافة العربية), وقد شرف الندوة بكلمة بليغة في افتتاحها قال فيها: ان العلاقة بين التنمية والثقافة علاقة حيوية, ومن الخطأ اعتبار التنمية شأنا يتصل بالاقتصاد, فإن حركة المجتمع لا تنشأ من الاقتصاد المعزول عن عوامل اخرى, بل من المضمون الثقافي للانسان, فإذا كانت القيم المحركة هي القيم الفردية والعشائرية التي لا تأخذ بالاعتبار حاجات المجتمع والجماعة, كانت هي القيم المعادية للتغيير, وإذا كانت القيم لا تحترم حقوق الانسان فإن ثقافة المجتمع النابعة من هذه القيم تؤدي الى تفسخ المجتمع وضعف الدولة. هكذا كان ــ رحمه الله ــ شموليا في نظرته للانسان والمجتمع. كان الشيخان الجليلان مثالين عظيمين وقدوتين رائعتين لما ينبغي ان يكون عليه الدعاة في عصرنا الذي يحتاج الى القول الحسن والكلمة الهادئة والتواضع للغير, قبل اي شيء آخر والى تأليف القلوب بدلا من تنفيرها, وإلى التأسيس للأمن والامان اللذين يحتاج اليهما مجتمعنا العربي من اقصاه الى اقصاه في مرحلة بالغة الدقة والتعقيد تنذر بشرور شتى, على رأسها تحول الاختلاف حول اي مقولة من مقولات الدين الى صراع يتطاحن فيه المختلفون لتشتعل نار الفتنة مهددة المجتمعات العربية والاسلامية بالخطر المدمر, ان لم يكن الفناء والهلاك, والعياذ بالله. لقد فطن الشيخان الى ان المجتمع العربي في كل دولة من دوله في هذه المرحلة التاريخية, ليس جمعا لأفراد, ولا تفردا من جماعة على اخرى, بل هو نتاج لجماعات متباينة التوجه ذات مصالح دنيوية متفاوتة, وأن من الطبيعي ان تحاول تحقيق هذه المصالح بشتى الطرق, وهنا يأتي دور عالم الدين المتسامح الفطن المدرك لحقائق الحياة, ليفض الاشتباك بين المصالح المتباينة, ويرسي ما يصب في المصلحة العامة للمجتمع الكبير, ويحول التعارض (الذي يمكن لو ترك ــ ان ينتقل الى خانة التصادم) الى تكامل ونمو يتقدمان بالبلاد في اتجاه الافضل, وكل هذا يتم في اطار من القانون الذي تقوم الدولة برعايته. لقد كانت محاضرة الامام محمد بن عثيمين في ذلك المساء في الرياض قائمة على هذا الفهم الصحيح لتعارض المصالح وطرق حلها, كما بذل الشيخ شمس الدين جل وقته للدعوة الى ذلك في بلده لبنان, الذي ابتلي بحرب طويلة وقاسية نجمت عن استعار الروح الطائفية, وكذلك كانت هذه دعوته في البلدان العربية التي طاف بها مبشرا بسماحة الاسلام واتساع فهمه للحياة البشرية بكل ما فيها من امكانات الاتفاق ومظاهر الاختلاف. الدعوة بالحسنى والاعتدال في القول والعمل وقبول الآخر هي السمات التي جمعت قلوب الكثيرين حول هذين المصلحين, برغم اختلاف توجهيهما, وتباين ثقافتيهما, ولكنهما نهلا من مصدرين عظيمين هما القرآن الكريم والسنة النبوية, وهما مصدران لا يمكن لمن يلم بهما ويدرك روحهما الا ان يكون متسامحا رحب الصدر متآلفا مع عالمه. ما احوجنا ونحن نمر في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا ومع كثرة التحديات التي نواجهها, ليس من الخارج فقط, بل من الداخل ايضا, ما احوجنا الى المنهج الذي سار عليه العالمان الجليلان, وبذلا من اجل تفعيله كل جهدهما, وجعلاه هدفا لسعيهما في العلم والدين والحياة, لعلنا نستضيء بآثارهما, فنوفق ولا نفرق, ونبشر ولا ننفر, ونصاحب (ولو مع الاختلاف) ولا نعادي: لأن مجتمعنا العربي والاسلامي اصبح الآن في غير حاجة الى مزيد من التطاحن والتصارع, بعد ان ظن البعض انهم يملكون ــ وحدهم ــ الحقيقة في الدين والحياة, وراحوا يحكمون على الآخرين... وكأنهم يحتكرون الوصاية على بني البشر, مما اصاب مجتمعاتنا بشر كثير, وضرر فادح ولعلنا لهذا نحزن من القلب كلما فقدنا ــ او افتقدنا ــ عالما معتدلا او داعية واعيا بدوره في مجتمعه, فكم نحن في امس الحاجة الى شيوخ الاعتدال.