ثلاثة أصدقاء ممن أدركتهم حرفة الكلمة.. الصديق الأول من أهل مؤسسة (البيان) الميامين والصديق الثاني ممن يتعاطون الشعر ابداعا وتذوقا والصديق الثالث هو الفقير كاتب هذه السطور. بدأت الحكاية بزيارة قام بها الصديق الأول الى الصديق الثاني.. ولأنهما من أهل الفكر والأدب فقد كان من الطبيعي أن تضمهما مكتبة الشاعر وأن يدور الحديث عن الكتاب وهو الجامع المشترك بين الأصدقاء الثلاثة المذكورين أعلاه وربما انحرف الحديث الى التراث العربي وازداد انحرافا الى حيث الأدب والشعر في المغرب وفي الأندلس وبالتحديد الى كتاب يعد من عيون التراث التي حفلت بها الحياة الثقافية والابداعية في القيروان عاصمة المغرب العربي الاسلامي أيام ازدهارها في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي وقد عمدنا الى استخدام تعبير (انحرف) في السطور السابقة.. لأن الحديث بين الصديقين الأول والثاني ما لبث أن تحول الى تكليف بالبحث عن الكتاب واستحضاره من فطَّانه المختلفة في مكتبات القاهرة.. وهو التكليف الذي وقع على رأس الداعي الصديق الثالث.. الفقير ــ كما أسلفنا ــ مُنشئ هذه السطور. وبحكم أننا نكتب في السياسة والأدب وفي الاخوانيات والنظريات الفكرية فنحن نتمتع بحمد الله ومنته بلقب كاتب (على سنّ ورمح) ولكن التكليف المذكور أضاف الينا بحمد الله أيضا صفة (باحث) وهو من نوع الحمد الذي لا يحمد على مكروه سواه. فما أن تلقينا التكليف الاخواني في رقة هاتفية تضوع بها الأثير بين دبي والقاهرة.. وانطلق فينا (الكاتب.. الباحث) في رحلة تفتيش عن الكتاب المنشود وقبل أن يفوتنا الكلام فالكتاب يحمل عنوانا يقول: (المصون في سر الهوى المكنون) والمؤلف هو أبو اسحق المصري القيرواني المتوفي الى رحمة مولاه عام 1066 للميلاد. ورغم أن اسم الكتاب يغري القارئ بما ينتظره بين صفحاته وسطوره من أحاديث التباريح وتعابير الشجوى وأشواق العاشقين وزفرات أهل الهوى المكنون كي لا ننسى ــ إلا أن مشكلتنا تجسدت في تلك النظرات التي كان يرمقنا بها أصحاب وعمال المكتبات التي نتعامل معها منذ سنوات كم تعودوا منا منذ سنوات النعايمة والطلب أن نقصدهم طالبين كتبا بعناوين (حنجورية) العناوين نسألهم مثلا عن (المقابسات) أبو حيان التوحيدي أو الخراج القاضي أبو يوسف أو الأحكام السلطانية (الماوردي) أو الانموذج من العلوم لارباب الفهوم (نجم الطرطوسي) أو في أقل القليل شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة أو حتى مقدمة ابن خلدون ما بالنا.. وقد اشتعل الرأس شيبا نسأل عن كتاب بعنوان (المصون في سر الهوى المكنون).. ولقد بلغ الأمر أن كان بعض العاملين في مكتبات القاهرة المغرية القديمة يخفي خلف ابتسامته الظاهرة مزيجا من الدهشة وطلائع الاستنكار وهو يرد قائلا: ــ آسفون يا دُكْتر ليس لدينا سوى كتب الفقه والشرع واللغة والدين.. ربما تجده عند الجيران. نسينا أن نقول لك أن مهمة البحث إياها كانت تدور في نهار رمضان حيث المرور في شوارع القاهرة أمر شاق تنوء به العصبة أولو القوة من الآلبين والراجلين على سواء. فما بالك بدروب القاهرة القديمة عند الأزهر وسيدنا الحسين وخان الخليلي والصنادقية وبين الصورين.. وهي ما زالت على عهدها منذ أمر ببنائها القائد جوهر الصقلي منذ آلف وتسعة وعشرين عاما على وجه الضبط والدقة من عمر الزمان؟ ولا أطيل عليك أن قادنا البحث الدؤوب وقد تفرغنا لأمره تماما بما يليق بمهمة الباحث.. الكاتب التي ألمحنا اليها الى حيث اقتفينا أثر الناشر الأصلي للكتاب المذكور فاذا به دار العرب للبستاني وكم كان نطق اسم الدار بحد ذاته أقرب الى طعم الرحيق العذب الشهي على شفاه الداعي الفقير.. أولا نحن نحب لفظة العرب لأننا عروبيون قوميون منذ نشأنا في حضن ثقافة العم الكبير عبدالناصر (رحمة الله عليه اليوم في ذكرى ميلاده الثالثة والثمانين) وثانيا يستدعي اسم (البستاني) الى الذاكرة الثقافية العربية المعاصرة جمعية كانت أو فردية خواطر شتى ترتبط جميعا بمعاني الاخلاص في الدرس والعكوف الدؤوب على البحث في مجالي التراث الانساني بعامة والعربي بخاصة.. البستاني.. تلك العائلة المسيحية التي تستمد أصولها من منطقة دبية في أرياف لبنان. والتي تتألق أسماء أعلامها في خدمة العربية فكرا عصريا وتراثا حافلا ولسانا بليغا ومبينا.. المعلم بطرس الكبير صاحب (دائرة المعارف) وقاموس (محيط المحيط) والمعلم سليمان مترجم الياذة هوميروس والمعلم عبدالله صاحب قاموس (البستان) والمعلم وديع مترجم رباعيات عمر الخيام.. وأخيرا الأستاذ بطرس (الثاني) الذي رحل عن الدنيا عام 1969 وكان من مآثره ــ ويا للمصادفة السعيدة ــ أن أنشأ في لبنان جريدة ازدهرت طيلة العشرينيات وكان اسمها (البيان). أين تقع دار العرب البستاني.. بعد رأى عرفنا أنها ليست في حي الأزهر ولا وسط قاهرة منتصف القرن حيث دور النشر التي كنا نعرفها طلابا ومتأدبين.. دار نهضة مصر التي تكاد تتخصص في النشر الجامعي أو دار المعارف بكتبها السائغة الأنيقة (سلسلة إقرأ مثلا) ودار الأنجلو حيث كنا نذهب بالعمد لكي نفوز برؤية الأستاذ العقاد وقد جلس الى مقعده الأثير دار المكتبة المزدحمة بالأرفف وبين يديه يسعى صاحبها الشاطر الأستاذ صبحي جريس يعرض على العقاد أحدث ما ورد بالانجليزية من منشورات الشرق والغرب. دار العرب للبستاني تقع في (الفجالة), وهو بدوره حي قديم يقال أنه كان منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مزارع خصبة لانتاج الخضر.. وفي مقدمتها طبعا (الفجل) ومنه جاء الاسم العتيد.. لكن الحي ما لبث مع القرن العشرين أن أصبح متخصصا في مهنة الطبع والنشر ولاسيما في مجال الكتب المدرسية.. ومن ثم كانت زيارتنا له ــ نحن وأحيانا أولياء أمورنا ـ نمتطي اليه متن الترام.. وسيلة مواصلات بطيئة حقا, ولكنها كانت مسلية لطفولتنا التي كانت تنشد أي نوع من أنواع التسلية.. فلم يكن في بيوتنا دمى أو ألعاب اليكترونية أو غير الكترونية.. أما التلفاز فلم يكن قد اخترعوه أو استوردوه بعد.. وحتى المذياع دخل البيت بعد رأي طويل وأثر جهد لو تعلمون جهيد ومن قبلها كنا نسمعه عن طريق راديو الجيران ومن هذا السبيل تشكلت محفوظاتنا وذخيرتنا السمعية.. نستظهر عن ظهر قلب وبالحرف نصوص الأغاني الكلاسيكية حتى ولو كانت في طول قصائد أم كلثوم ولعل هذا الارهاف في السمع.. هذا الإنصات الدؤوب الى ما يتناهى من مذياع الجيران هو الذي أدى الى تكوين ذاكرة سمعية وثقافية نصيّة ونغمية ما برحنا نعتز بها على مر الأيام. نركب الترام الى جوار الوالد رحمة الله عليه يأتي محصل النقود (الكمساري) وتبدأ عملية أقرب الى الوزن أو التقييم أو التثمين.. هل تنطبق على جسمك الصغير النحيل قوانين الاعفاء من ثمن التذكرة أو يطالب الكمساري ــ يا للظلم ــ بأن يدفعوا عنك نصف تذكرة.. والله المستعان .. وقد لا يخلو الأمر من مفاوضات بين الراكب والمحصل تشمل دفوعا تساق فيها مرافعات الاحتجاج بصغر سن المحروس وبأن الأسرة ــ عقبال أولادك ــ في طريقها لشراء كتاب من الفجالة ولم يبق عليها سوى محطتين أو ثلاث.. والإعفاء من نصف التذكرة من شيم الكرام. وسواء جاءت المفاوضات كسبانة أو خسرانة .. فالحاصل أن الطفل كان يلهو عن هذا كله منغمسا في هوايته التي ما زالت أثيرة بعد كل هذه العقود من السنين, هواية قراءة لافتات المحلات بصوت عال وكأنما يحاول العقل الطفل أن يبني جسورا من التعارف والتآلف بينه وبين نهر الحياة في شوارع القاهرة ومسالكها وها نحن ندلف بعد هذه العقود كلها من السنين الى شارع الفجالة وقد أصبح مزدحما بالناس والعربات من كل لون وصنف يستوي في ذلك تلك التي خرجت لتوها من خط الانتاج.. أو تلك التي ما زالت يجرها بغل مجهد, مسن.. بائس مكدود. تملأ خياشيمك رائحة الورق القديم والجديد.. تزدحم أمام ناظريك اللافتات وأشكال المعمار وأسماء المطابع والمكتبات.. دار الثقافة.. المنار.. البيان (تاني).. العلوم الحديثة (المبنى عتيق يكاد يتداعى من فرط القدم) الثقافة العصرية (المبنى أكثر قدما وأشد تهالكا).. لكن من بينها ها هي (مكتبة النصر) وقد جددت ثوبها تقف نظيفة لامعة.. معجبانية في شارع الفجالة القديم.. تكاد تتيه على الأقران بأنها المكتبة التي زفت الى جماهير العرب وقارئي العروبة كل أعمال الأستاذ نجيب محفوظ على امتداد نصف قرن ويزيد. أخيرا تصل الى بغيتك.. تصعد الى الطابق الثاني من بناية متواضعة.. لا هي في القديم ولا في الجديد.. نصف عمر كما يقول المصريون.. ونسأل عن المصون في سر الهوى المكنون.. وفي غمضة عين يكون الكتاب في يدك.. من تأليف أبي اسحق ابراهيم بن علي بن تميم الحصري القيرواني.. كل هذا تقرأه مسطورا على غلاف الكتاب الأبيض المصقول.. ولا غرو فقد جاءت هذه الطبعة عصرية من حيث الورق والتجهيز وجاءت مخدومة ( بعد أن عكف على دراستها وسرحها وتحقيقها) أكاديمي بارز متخصص هو الدكتور النبوي شعلان أستاذ الأدب والنقد العربي في كلية البنات جامعة الأزهر. ولا أكتمك.. لنا شخصيا مع المؤلف قصة.. وللدكتور النبوي له بدوره مع هذه الطبعة من الكتاب قصة أخرى فإلى حديثنا الموصول.