ربما كان التقرير الذى أعدته المخابرات المركزية الأمريكية مؤخرا حول المستقبل المشئوم الذى ينتظر العرب عام 2015 صحيحا, كما أن نشره وتداوله فى الصحافة الأمريكية ليس تسريبا متعمدا لغرض، فى نفس يعقوب, وإنما انفرادا كعادتها فى البحث عن الجديد والمثير, ونشر المعلومات والحقائق حتى ولو كانت تندرج تحت أدق أسرار الأمن القومى, وبفرض أن التقرير مغرض ومشبوه فى اطار السياسة الأمريكية العدائية ونظرتها المتدنية للعرب, وانحيازها السافر وغير المبرر لاسرائيل, فما الذى يمنع من وضعه تحت مجهر الفحص الدقيق واعتماد الصراحة مع الذات الوطنية والقومية فى سبر أغواره وتقصي أبعاده, وأهدافه, فلعلنا نستفيق من غيبوبة على اخطار تتهددنا, ونعالج أخطاء وأوجاع مزمنة استعصت على المسكنات, إيذانا بالتحشد فى جدية وشفافية لسد الثغرات ووضع الحلول الجذرية, أفضل من وضع رؤوسنا فى الرمال الى حين تدهمنا الكارثة التى يتنبأ بها التقرير المشئوم حول عالم ينتظر العرب فى هذا التاريخ, يعج بالشباب العاطلين عن العمل, يعانون الحسرة والاكتئاب, ويرفضون التأثر بايجابيات العالم الخارجى, وينفثون عن قمع النظم الحاكمة عبر التطرف وممارسة الارهاب, ومن هنا السؤال عن عناية المخابرات الأمريكية بتكليف أجهزتها المختصة والجامعات والعلماء المتعاونين معها بدراسة (الحالة العربية), الا أن تكون مثار قلق يتهدد القوة الاحادية الأعظم فى سعيها للهيمنة على مقدرات العالم! والشاهد أن السياسة الأمريكية ظلت تعتمد على الأنظمة الاستبدادية والأتوقراطية بزعامة نظام الشاه فى ايران, لحماية مصالحها وتعزيز نفوذها فى الشرق الأوسط اثر رحيل الاستعمار الأوروبى عن المنطقة فى حقبة الخمسينات, لكن المد القومى بزعامة جمال عبدالناصر كان لها بالمرصاد, وكما أفشل حلف بغداد نجح عبدالناصر فى وصول الاتحاد السوفييتى الى المنطقة أو ما كانت تسمى انذاك (المياه الدافئة) عبر ادارة لعبة التوازن بين القطبين الأعظم رغم عدائه الشديد للشيوعية واعتقال رموزها, وبناء تجربة اشتراكية عربية خالصة فى غيابهم, وبرحيل عبدالناصر وانهيار الاتحاد السوفييتى, بدأت أمريكا فى اعادة رسم سياساتها الشرق أوسطية كما لو أنها بلا منافس أو شريك, ونجحت الى حد كبير فى تحريك التناقضات العربية والاقليمية من مراقدها, وحاولت عبر اتفاقية كامب ديفيد اخراج مصر من الصراع العربى الاسرائيلى, ثم حققت حلمها الأثير بوصول قواتها الى الخليج بدعوى تحرير الكويت, واذا بها تحكم الحصار حول العراق عسكريا وتخنقه اقتصاديا وتعيده من القرن العشرين الى القرن السابع عشر, وتهول من التهديدات المزعومة للخليج, حتى تنفرد باستنزاف موارد أضخم احتياطى للنفط فى العالم, وهكذا خلال حقبتين من عمر الأمة العربية وهى تساق منومة الى حتفها, بعد اختلال جهازها القومى المناعى امام الهجمة الأمريكية الشرسة.. سياسيا واقتصاديا وثقافيا واعلاميا ومعنويا! ومن هنا نحسب أن توقيت التقرير الأمريكى المشئوم حول ماينتظر الأمة العربية فى المستقبل القريب وشبابها بوجه خاص, لا يختلف أى باحث علمى أو محلل سياسى محايد, كونه موصول بالانتفاضة الفلسطينية وزخمها النضالى الباسل الذى طوى فى طريقه صفحات سوداء من الخنوع العربى, واعاد للعرب ملحمتهم القومية, وقدمت نموذجا للشباب العربى المفترى عليه, الذى لا يهاب أغنى وأحدث آليات البطش والارهاب الثقيل الذى تمارسها النازية الصهيونية فى الألفية الثانية, وذلك على وجه التحديد الخطر الذى ظلت أمريكا تخشاه, وظنت أن سياساتها المشبوهة نجحت فى اخماد جذوته الى الأبد, مما أضطر الرئيس كلينتون الى ممارسة مختلف الضغوط لاحتواء أو اجهاض الانتفاضة وفشل, الى اعترافه المتواضع والمتحفظ فى خطبة الرحيل عندما أشار الى حق الشعب الفلسطينى, فى مجتمع أمن ودولة مستقلة. على أن المخابرات الأمريكية أسدت الى العرب معروفا لم تضعه فى حسبانها, حيث بات من المتعين على الكتاب والمفكرين والسياسيين والجامعات ومراكز الدراسات العربية التحشد لوضع خطة استراتيجية مستقبلية للمعرفة والنهوض بالمجتمعات العربية, تستهدف اجهاض نبوءة تقريرها المشئوم, وتؤسس لنظام تعليم قادر على ملاحقة عصر المعلومات والاتصالات الالكترونية وينهي عصر الأمية والجهل وتخريج العاطلين, ويستمد من تراثنا روح المقاومة والتسامح الثقافى والروحى, وتعتمد اقتصادا وطنيا وقوميا يحقق عدالة توزيع الثورة ويقضى على الفقر ويتيح لكافة الشرائح الاجتماعية الحقوق الكريمة للمواطنة, وبناء صناعة وزراعة عربية تكاملية تحقق الوفرة والاعتماد على الذات, واتاحة أوسع الفرص للعمالة, تساندها سوق مشتركة لتصريف الانتاج, ويدعمها تمويل نحو ترليون دولار من المدخرات العربية فى المصارف والأوراق المالية بالخارج, بداية لنهاية الاقتصاد الريعى فى العديد من الاستثمارات المعرضة لمخاطر المضاربة وتقلبات السوق, ولا مفر من اطار ديموقراطى حقيقى لحماية التحولات المرتقبة يساهم فى انجاحها وازدهارها, ديموقراطية تفتح ذراعيها لكل الآراء والقوى السياسية وتشجيعها على المشاركة فى السلطة وحمل مسئولية البناء, وترتكز على قواعد وضوابط تؤمن حقوق الإنسان وكرامته, وتجتث الفساد وتعريه وتجفف بؤر التطرف والارهاب, وتسمح لكل فئات الشعب وطبقاته بوضع الدستور والقوانين التى تلائم المجتمع وتساعد على تقدمه وأمنه ورخائه, وتعيد له بسمته وتفاؤله وروح العمل والخلق والابداع.. صحفي مصري