كنت أقلب القنوات الفضائية بحثا عن مادة تستحق أن يقضي الإنسان معها وقتا ممتعا في نهاية يوم مليء بالعمل والنقاشات والأخبار الكئيبة, واعتقدت بأن العثور على مادة شيقة تلفزيونية أمر سهل جدا, لكنني أعدت التقليب مرات عدة دون أن أعثر على شيء! كل القنوات بلا استثناء ــ التي تصلني بحسب نوعية الدش الذي أمتلكه ــ تقدم المواد نفسها, ولعل اللافت أكثر من هذه المواد هي البرامج الحوارية السياسية, وهنا لا تختلف أي قناة عن الأخرى في اعداد البرنامج شكلا ومضمونا: مقدم وأسئلة مكررة وضيف أو اثنان داخل الاستديو, وضيف أو اثنان على الستلايت, ومجموعة متصلين متفق معهم مسبقا على الأسئلة والأجوبة والمداخلات! والغريب ان وجوها معينة (كضيوف) تتكرر في أغلب المحطات وكأن هؤلاء الأشخاص أصبحوا الناطقين الرسميين باسم القضية المطروحة في كل الوطن العربي, طبعا الأمر غريب ومثير للتساؤل, أقول التساؤل وليس الشك! بعد البرامج الحوارية التي تحتل المساحة الأكبر على خريطة البث, تقفز المسلسلات بشكل واضح, وهنا تتفوق الدراما السورية كمّاً ونوعا, ولا أدري السر في اصرار بعض القنوات على عرض المسلسلات المكسيكية التي انتهت (موضتها) وانحسر الاهتمام بها بعد أن اتخم المشاهد العربي بقصص حياة: ماريا مرسيدس ومانويلا ومارتاريلا..! وهي ليست سوى حكايات مكررة إلى درجة الملل والغثيان, كل رهاناتها تعتمد على الفتيات الجميلات, مع المبالغة في العري, واللقطات الساخنة, والحديث المفرط والبالغ الابتذال عن العلاقات المحرمة والنزوات المستمرة لأبطال المسلسل الذي يصل بالمشاهد إلى الحلقة ألفين وهو يدور في حلقة مفرغة ولقطات تعتمد على المفارقة والصدف الغريبة. الأفلام العربية انتاج الستينيات والسبعينيات هي الطاغية, وبرامج (عالم السينما) لا تعرض سوى نتاجات السينما الأمريكية, وشباك التذاكر الأمريكي, بينما البرنامج الذي سبقه والذي يعقبه يتحدث باستفاضة وحماس عن ضرورة المقاطعة العربية للبضائع الأمريكية, وان السينما الأمريكية ليست سوى بوق ضخم للفكر اليهودي الصهيوني, وهنا يقع المشاهد في حيرة بين الحديث المستهلك عن المقاطعة وبين ما يعرض عليه, وتحديدا في فضائية (...) التي ينادي مذيعوها ليل نهار وكذلك نظامها السياسي بعدائية أمريكا ومواقفها المشينة من الحق العربي وبضرورة الخلاص من هيمنتها والعمل على مقاطعتها, وفي سهرة كل مساء على القناة نفسها يتابع المشاهدون يوميا فيلما أمريكيا حتى وان كان من انتاج الخمسينيات! في قنواتنا المحلية, أصبح الهم المحلي والقضايا الوطنية الحياتية للإنسان, يعالج عن طريق البرامج الحوارية, ضيف وقضية مثارة وحوار مليء بالتنظير وبما يجب ولا يجب, وبرأي هنا ورأي هناك ولا بد طبعا من ضيف عربي من خارج المناخ والوطن لا ندري ما ضرورته, دون أن يحاول طاقم البرنامج ان يحملوا كاميراتهم وميكروفوناتهم لينزلوا إلى الشارع وإلى حيث القضية المثارة, ليناقشوها ويقدموا تقريرا راصدا للمشهد العام للقضية مع أطرافها الحقيقيين.. أما لماذا؟ فالعلم عند أهل الاختصاص, وربما لان البرامج الحوارية أسهل بكثير. قليلا من التلامس مع قضايا المجتمع عمليا, وتقليلا من البرامج الحوارية التي أتخمنا بها, واقترابا من هموم المرأة والطفل والطالب... أمور مطلوبة, نضعها على طاولة النقاش.