منكوب و ألف, جريح وألفان, شهيد وآلاف... ونخطئ في الإحصاء ثانية , فقد اختلطت الأشياء ببعضها وتمردت على مسمياتها. هكذا أمست العرب تحاول تعلم فنون الحساب ليس بعدد التفاحات على لوح الصفوف التمهيدية وليس بتلمس الطفل لأصابعه العشرة, و إنما بهذا الدم العربي الذي تجاوز مفهوم القيمة إلى ما هو مقدس. ولا بأس من درس في رياضيات الدم العربي من خلال قراءة غزارة مشهد الموت للشهيد شاكر حسوني الأعزل من السلاح , وقد ظنت إسرائيل بأنه جيش متفجر لمجرد أنه انزوى في مطعم بعد مناوشات جانبية ما بين الجنود الاسرائيلين والمتظاهرين. فأمطروا رئته ورأسه وقلبه بوابل من الرصاص, بل وسحلوه إلى أوكارهم مثل الفريسة ينهشها قطيع من الضباع. لمشهد الموت هذا, ندرك أن حسوني كان شخصا واحدا وعاديا ولكن فعلا تحول بمشهده المؤلم إلى منكوب و ألف, جريح و ألفين, شهيد وآلاف , الأمر الذي جعل منه ليس مجرد جثة هامدة يسحلونها ويرقصون حولها مدججين بالسلاح والحقد وشهوة القتل , يمضغون الحلوى ابتهاجا (بصيدهم الثمين) وإذا كان للابتهاج دوافعه عند البشر, فالأمر مختلف تماما عند ضباع البشر وهذا الهوس والرعب الذي يغلي في يوميات الإسرائيلي مستوطنا وجنديا, يجعله وحشا قلقا يسحل ضحيته ويمثل بها لعله بذلك يجد ما يهدأ من رعبه وجنونه. فالمهووس القاتل لا تشبعه عملية القتل فحسب بل يشبعه الاحتفاظ بضحيته وبتأملها. وخلاصة القول, أن حسوني ذهب واحدا وحيدا بعيدا , لكنه عاد آلافا وقريباً لصيقا بأمته وشعبه, وبقدر ما أهانوا آدميتنا في جسده بقدر ما ارتقى مرتبة وروحا في وجداننا, ومن هنا تتعلم هذه الأمة درسا عميقا في رياضيات الدم العربي الذي لا يخضع إلى جدول الضرب والقمع الذي ما فتئت إسرائيل تنشره في كل حساباتنا وتقديراتنا الكمية والرقمية, وها هم الشهداء يؤسسون لجدول رياضي يعتمد على القيمة التي تكتنز بالدلالة والمعنى والحق المقدس , وهو جدول رياضي لا تفهمه إسرائيل ولكنها بالضرورة ستدرك أن منطقها الرياضي المحدد لن يحاصر هذا الفضاء العربي القيمي, فشكرا للشهيد حسوني ومن سبقوه ولأولئك الذين ينشطون ذاكرتنا بالقيمة والمعنى والدلالة. هاني جابر hani@albayan.co.ae