كان أبوه سادناً لمعبد بوذي في بلخ الواقعة شرق اقليم خراسان. أما هو فقد كانت له قصة خلّد من خلالها اسم أسرته وهي تصعد صعوداً لا مثيل له, ثم تهبط هبوطاً غدا مضرب المثل, أفرد له التاريخ وصفاً لم يطلق على غيره عندما سمّى ما حدث لها (نكبة). كانت بداية سطوع الأسرة الفارسية المشهورة عندما ولي خالد بن برمك ديوان الخراج وديوان الجند للخليفة العباسي الأول أبوالعباس (السفّاح) ليرتقي بعد مقتل أبي سلمة الخلال إلى منصب الوزارة الذي أقرّه فيه الخليفة الثاني أبوجعفر المنصور وولاه ديوان الخراج,, فلما جاء الخليفة الثالث المهدي عهد إليه بتربية ابنه هارون الرشيد أشهر خلفاء بني العباس, فلما توفي خالد خلفه ابنه يحيى على تربية هارون, وأقرّه الخليفة الرابع الهادي في وظيفته. ثم جاء عهد الرشيد الذي ارتفع فيه نجم البرامكة أيما ارتفاع وعظم فيه شأنهم حيث ولّى الرشيد يحيى بن خالد الوزارة وجمع له الدواوين فكادت سلطته تكون مطلقة. وقرّب الرشيد الفضل وجعفر ابني يحيى, فولّى الفضل ولايات هامة وندبه لإخماد ثورة يحيى بن عبدالله العلوي فأخمدها دون سفك دماء, كما عهد إليه بتربية ابنه الأمين واتخذه نديماً له وأشركه في النظر في المظالم. ولأن الدنيا حين تقبل تهب دون حساب فقد اكتملت للأسرة كل عناصر القوة بامتلاكها السلطة, وتدفقت عليها الأموال. ولأن السلطة والمال ــ في نظر الناس ــ هما عصب الحياة وغاية ما يتمنى المرء فيها فإن صاحبهما واقع بين مطرقة الحاسدين وسندان المتطلعين إلى موقعه الداعين بزوال مكانته الساعين إلى احتلال مكانه. كان للمكانة التي تبوأها البرامكة في عهد الرشيد تبعات إذ قصدهم طلاب الحاجات الآكلون على كل الموائد, ووفد عليهم الشعراء والأدباء منشدين فيهم أروع القصائد ناشدين عطاءهم, وكان البرامكة كرماء يعرفون للسلطة والوجاهة أصولها فأغدقوا على الناس الأموال وأجزلوا لهم العطاء, فسارت بذكرهم الركبان وعمّ صيتهم أرجاء أرض الخلافة العباسية الواسعة, وهنا حانت اللحظة, كان يجب أن يتوقف عندها صعود نجمهم, فقد أحس الرشيد بأنهم قد تجاوزوا الخطوط الحمراء التي لا يسمح المتربعون فوق قمة السلطة عادة بتجاوزها, فكانت نكبتهم الشهيرة التي خلدها التاريخ عام 802 حيث قتل الرشيد جعفر بن يحيى ونزع السلطة من أيديهم وصادر أموالهم, بل إنه منع الشعراء من رثائهم بعد أن كانوا مقصداً لمدائح قصيدهم. ورغم الأسباب العديدة التي أوردها المؤرخون لنكبة البرامكة من نكاية الأعداء ووشايتهم بهم وميولهم الشيعية واتصال جعفر بالعباّسة أخت الرشيد, إلاّ أن السبب الذي لا يخفى على فطنة العارفين هو تعاظم نفوذ الأسرة وارتفاع شأنها إلى الدرجة التي أصبحت معها تهدد مكانة الخليفة وأبنائه وتنافسهم على عرش الحكم وقلوب أفراد الشعب.. وهو الخط الأحمر الذي لا يسمح أي حاكم بتجاوزه.. فإذا ما حدث ذلك سُفكت الدماء وهُدِّمت القصور وصُودرت الأموال ورُمِّلت النساء ويُتِّم الأبناء لينجلي الموقف عن قمة لا تتسع للكثير من الأفراد, وعندها يصبح السفح هو المكان البديل للأضعف قوة والأقل فطنة والأسوأ حظاً والأبطأ الى المبادرة لانتزاع السلطة أو تثبيتها.. هذا إن لم يكن البديل هو القبر, ولا فرق هنا بين أن يستقر المقام بمن يطاح به في قعر الوادي أو تحت الثرى. ما بين صعود مؤسس الأسرة خالد بن برمك وسقوط أحفاده حبل سري موصول لم ينقطع بانقطاع دابر الأسرة, وفي ثنايا هذا الصعود والهبوط تكمن قصص إنسانية كثيرة يتناهى بعضها في البساطة ويتعقد بعضها الى الدرجة التي تتشابك فيها خيوطها وتتداخل خطوطها. ها هي أم جعفر بن يحيى فاطمة بنت محمد بن الحسن التي أرضعت الرشيد مع جعفر وربي في حجرها لأن أمه ماتت وهو في مهده, فكان الرشيد يشاورها مظهراً لإكرامها والتبرك برأيها, وكان قد آلى على نفسه وهو في كفالتها أن لا يحجبها وأن لا تستشفعه لأحد إلاّ شفّعها, وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذوناً لها ولا تشفعت لأحد لغرض دنيا. يقول سهل بن هارون كما ينقل عنه عمرو بن بحر الجاحظ: فكم أسير فكت, ومبهم عنده فتحت, ومستغلق منه فرّجت. قال: واحتجب الرشيد بعد قدومه, فطلبت الإذن عليه من دار البانوقة بنت المهدي, ومتت بوسائلها إليه فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها. فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها محتفية في مشيتها حتى صارت بباب قصر الرشيد. فدخل عبدالملك بن الفضل الحاجب فقال: ظئر أمير المؤمنين بالباب (والظئر هي المرضعة لغير ولدها) في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد وشفقة أم الواحد. فقال له الرشيد: ويحك يا ابن الفضل, أَوَ ساعية؟! فقال: نعم, أصلح الله الأمير حافية. فقال: أدخلها يا عبدالملك, فرب كبد كريم غذتها, وكربة فرجتها, وعورة سترتها. قال سهيل: فوالله ما شككت في شيء قط ما شككت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها بحاجتها. فلما دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفياً حتى تلقاها بين عمد المجلس فأكبّ على تقبيل رأسها ثم أجلسها معه. فقالت: يا أمير المؤمنين, أيعدو علينا الزمان, ويجفونا خوفاً لك الاخوان, يحردك بنا البهتان, ويوسوس لك بأذانا الشيطان, وقد ربيتك وأخذت برضاعي لك الأمان من دهري؟ فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد؟... قالت له: ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك, ولا أرشحه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته له وإشفاقه عليه وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه. فقال: يا أم الرشيد, قدر سبق, وقضاء حم, وغضب من الله نزل. قالت: يا أمير المؤمنين, يمحو الله ما يشاء, ويثبت وعنده أم الكتاب. فقال الرشيد: صدقت فهذا مما لا يمحوه الله. فقالت: الغيب محجوب عن النبيين, فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟ فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع وهكذا يمضي سهل بن هارون في نقل تلك المحاورة العجيبة بين أم ثكلى مكلومة وخليفة غاضب رضع من ثدييها.. تحاول هي ان تستدر عطفه على أهل من نشأ في حضنها, ويحاول هو الخروج من عقوق مرضعته دون جدوى. تسأله بكل ذكرى طيبة أن يصفح عن زوجها يحيى وتذكّره بما لها عليه من فضل إرضاعه وبما ليحيى لديه من صالح الأعمال, وتسوق له من الآيات ما تعتقد أنه سيرقق قلبه وتطلب به عدله, فنراه يستعبر ويبكي حيناً, ونرى أم جعفر تبكي وتستحلفه بكل غالٍ أن يجيبها لما سعت إليه من أجله, لينتهي الحوار بقول الرشيد لها: يا أم الرشيد, أما لي عليك من الحق مثل الذي لهم؟ قالت: بلى يا أمير المؤمنين, إنك لأعزّ عليّ, وهم أحبّ إليّ! ثم تخرج من عنده دون أن يجاب طلبها. وها هو يحيى بن جعفر يلجأ إلى الأمين بن هارون الرشيد وكان رضيعه فيعده باستيهاب أمه زبيدة إياهم, ثم يشغله اللهو عنهم فيكتب إليه يحيى أبياتاً يذكره فيها بوعده ويطلب منه الوفاء به, فيبعث بها الأمين إلى أمه لتعطيها الرشيد وهو في موضع لذاته وفي إقبال من أريحيته, وتتهيأ زبيدة للاستشفاع لهم وتهيىء جواريها ومغنياتها وتأمرهن بالقيام إليه معها, فما أن يفرغ الرشيد من قراءة الأبيات حتى يوقِّع في أسفلها وهو جالس لم يتحرك من مكانه: (عظيم ذنبك أمات خواطر العفو عنك) ثم يرمي بها الى زبيدة التي ما أن ترى توقيعه حتى تعلم أنه لا يرجع. إنها حكاية من الماضي.. ولكنها الحكاية نفسها تتكرر في كل العصور مع اختلاف الوجوه.