اليابانيون لا يفرقون بين الاسلام وقصص (ألف ليلة وليلة). ومع تكراره هذه المعلومة أثناء جولته غير العادية الاسبوع الماضي في العواصم الخليجية كان وزير خارجية اليابان يوهي كونو يبشر بعهد ياباني جديد مع العالم الاسلامي انطلاقا من منطقة الخليج كمحور لهذا العهد. لكن لماذا الآن.. والآن فقط قررت اليابان على نحو يبدو فجائيا انفتاحا شاملا على العالم الاسلامي بما في ذلك اقتراح (حوار حضاري) مع الاسلام؟ في المحاضرات التي ألقاها الوزير الياباني في العواصم الخليجية لم نعثر على اجابة واضحة وقاطعة لهذا السؤال الكبير. مع ذلك سوف يأتي يوم في المستقبل.. ربما بعد خمس سنين او سبع او عشر نستذكر فيه ان مبادرة الوزير الياباني كونو كانت نقطة تحول في مجرى التاريخ المعاصر.. ليس تاريخ العلاقات اليابانية مع العالم الاسلامي فحسب.. وانما ايضا تاريخ عالم القرن الحادي والعشرين بأسره. على انه ليس من الصعب استنباط اجابة على السؤال المطروح من خلال فحص السياق العام للأفكار الابداعية المثيرة التي طرحها الوزير الياباني. مفتاح هذه الافكار هو ظاهرة العصر التي نطلق عليها (العولمة).. او ان شئت الدقة (التعايش السلمي مع العولمة) على حد تعبير المسئول الياباني الكبير. لقد ربط الوزير بين العولمة والحضارات وخص بالذكر الاسلام وحضارته وقيمه. وفي السياق نفسه ربط بين العولمة والديانة البوذية السائدة في اليابان وشرق آسيا مشددا على الحوار بين الاديان والحضارات. وعلى الفور تقفز الى الذهن ظاهرة الرأسمالية العالمية التي هي جوهر ظاهرة العولمة الى درجة انه من المستحيل فصم اي منهما عن الاخرى.. والى درجة انه يمكن اعتبارهما متردافتين. وللتبسيط الجمعي يجوز ان نستخدم عبارة (العولمة الرأسمالية). ان لليابان موقفا مبدئيا ثابتا تجاه العولمة الرأسمالية. فهي ليست ضد المذهب الربحي للرأسمالية وما يتبع ذلك ويلازمه من فلسفة حرية السوق والمشروع الفردي. بل تعتبر اليابان احدى القوى الرأسمالية الرئيسية في هذا العصر. مع ذلك فإن اليابان تعارض من منطلق مبادىء حضارية ودينية وتراثية القيم الاجتماعية التي ترافق النظام الرأسمالي كما هو مطبق في الغرب. من هذا المنظور, اذ يمكن القول ان المجتمع الياباني والمجتمع الغربي متشابهان من حيث النموذج الاقتصادي الرأسمالي, فإنهما مختلفان كل الاختلاف من حيث منظومة القيم الاخلاقية التي تحكم السلوك الاجتماعي على المستويين الفردي والجماعي. ان من الامراض الاجتماعية التي افرزها النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة والغرب عموما التطرف في ممارسة الحرية الفردية الى درجة الفوضى. فباسم الحرية الفردية اصبح شائعا ومقبولا اجتماعيا في الغرب ممارسة الاباحية الجنسية الكاملة بما في ذلك اقتران رجل وامرأة دون زواج بالمفهوم الديني وبالتالي انجاب ابناء سفاح (40% من المواليد في امريكا ابناء سفاح) والشذوذ الجنسي للرجال والنساء. ومن ذلك ايضا تلاشي مسئولية الوالدين نحو الابناء ومسئولية الابناء نحو الوالدين. وكل هذا ادى بدوره الى تلاشي فكرة (الاسرة) نهائيا في تلك المجتمعات مما ادى الى تفاقم انتشار الجريمة بأنواعها وانتشار تجارة الدعارة. مثل هذه القيم لا يعترف بها ولا تقبل في المجتمع الياباني. فلا يزال هذا المجتمع محكوما بقيم وتقاليد سلوكية. فهل هذه نقطة التقاء بين اليابان والعالم الاسلامي؟