انطلق الحوار العربي ــ الاوروبي في السبعينيات انطلاقا من اهمية الخيار الاستراتيجي المتعلق ببناء الحيز العربي الاوروبي في التنمية واقامة مصالح مشتركة متبادلة الا ان تطور العلاقات بين الجانبين وتأثر هذه العلاقات بمجموعة من العوامل والابعاد والاحداث السياسية العربية والاوروبية والدولية, ادى الى تقسيم العرب في علاقتهم مع اوروبا الى قسمين: الاول: الدول المتوسطية وعلى اساس هذا المفهوم قام مشروع الشراكة الاوروبية ــ المتوسطية من خلال الاعلان النهائي لمؤتمر برشلونة الذي انعقد في 27 ــ 28 نوفمبر من عام 1995. والقسم الثاني: يتمثل بدول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت اتفاقية التعاون المشترك مع الاتحاد الاوروبي في عام 1988. ومع تقسيم العرب في علاقتهم مع اوروبا الى متوسطيين وغير متوسطيين يمكن تسجيل الملاحظات التالية: * ان مشروع الشراكة الاوروبية ــ المتوسطية يقوم على اساس النفي الكامل للهوية العربية لدول جنوبي وشرقي المتوسط انطلاقا من قاعدة تقسيم الدول العربية الى دول متوسطية وغير متوسطية واستبعاد الدول الاخيرة من الشراكة, في المقابل يعد الجانب الاوروبي نفسه طرفا واحدا متكاملا اذ يضم الجانب الاوروبي في الشراكة الدول الاوروبية غير المتوسطية مثل السويد. * في اطار مفاهيم المركزية الاوروبية والنظرة الى الجانب العربي المتوسطي كطرف فرعي يحاول الجانب الاوروبي تكريس مركزيته حيال الوطن العربي, ففي الوقت الذي يمثل الاتحاد الاوروبي في مشروع الشراكة بمؤسساته العليا اي المفوضية الاوروبية العليا فإنه لا يتعامل مع الجامعة العربية كمؤسسة جامعة للعرب, فهذه المؤسسة غائبة وغير ممثلة في مشروع الشراكة الاوروبية. * ان الجانب الاوروبي يتعامل مع الدول العربية غير المتوسطية من زاوية مختلفة للتعامل مع الدول المتوسطية, فهو يركز مع الدول المتوسطية على اقامة منظومة اجتماعية, ثقافية, فكرية, اقتصادية سياسية انطلاقا من اولويات اقتصادية وتجارية تتعلق بالنفط والاستثمارات والمشاريع والاسواق. * على الجانب الآخر فإنه ينبغي القول ان الدول العربية تفتقر الى سياسة موحدة حيال اوروبا لاسباب تتعلق بالاختلافات والخلافات العربية وبسياسة كل دولة وأولوياتها والاحداث والقضايا التي تشغلها, ففي الوقت الذي ترى فيه الدول المغاربية فوائداقتصادية كبيرة لمشروع الشراكة مع اوروبا ترى الدول العربية المشرقية ان الشراكة مع اوروبا يجب ان لا تكون في اطار المقاربات الاقتصادية ومشاريع التنمية فقط بل يجب ان تكون من خلال دور اوروبي فاعل في الصراع العربي ــ الاسرائيلي وبالضغط على اسرائيل لالزامها بتنفيذ قرارات الامم المتحدة وتحقيق تسوية عادلة وشاملة في المنطقة استنادا الى هذه القرارات في حين تخشى الدول الخليجية من سياسة اوروبية مغايرة للقيم والسلوكيات الثقافية والاجتماعية التي تشكل مجتمعة الهوية الحضارية لشخصية الخليج خصوصا ان مفاهيم الشراكة مقترنة بالعولمة وابعادها الايديولوجية والتي اضحت تأخذ نماذج عالمية مع ثورة الاعمال والاتصالات والتكنولوجيا المتطورة, ومن المؤسف ان الدول العربية التي تملك امكانات هائلة للتكامل العربي الاقتصادي ولاقامة سوق عربية مشتركة لم تقم حق الآن بالخطوات المطلوبة لتحقيق هذا التكامل وولادة السوق العربية المشتركة رغم وحدة الانتماء القومي والحضاري في حين حققت الدول الاوروبية وحدتها وتسعى لتوحيد مؤسساتها الاقتصادية والسياسية والمالية. انطلاقا من الوقائع السابقة فإنه يمكن القول ان الشراكة الاوروبية العربية بالنسبة لأوروبا تحقق مفاهيمها المركزية في الامن والاقتصاد فيما هي بالنسبة للجانب العربي تكرس التقسيم والتبعية وتتركه عرضة لتأثيرات العولمة والاحتواء بالمفهوم السلبي, اذ تترتب على المقاربات الاقتصادية الاوروبية ومفاهيم التجارة الحرة اثار سلبية على الصناعات الخفيفة والتحويلية والزراعية في الوطن العربي على نحو يعزر تكريس التبعية بين الدول العربية واوروبا, والسؤال الذي يطرح نفسه اذا كان الامر على هذا النحو من السلبية بالنسبة للدول العربية فلماذا وافقت هذه الدول على الشراكة؟ الجواب عن هذا السؤال يتضمن الابعاد السياسية والامنية اكثر من الابعاد الاقتصادية, فالتوقيع على مشروع الشراكة عام 1995 جاء في مرحلة شهد فيه العالم انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية وعملية التسوية العربية ــ الاسرائيلية ــ وهيمنة الولايات المتحدة على العالم وقضاياه, ومع هذه الاحداث الكبرى وجدت الدول العربية نفسها وجها لوجه امام المساعي الامريكية ــ الاسرائيلية الرامية الى رسم خريطة جديدة للمنطقة وتكريس حالة اقليمية قسرية باسم التسوية والشرق الاوسطية, وفي ظل غياب الاتحاد السوفييتي وغياب قطب دولي آخر يعادل الولايات المتحدة وجدت العديد من الدول العربية في اوروبا طرفا يمكن ان يحقق نوعا من التوازن في مسألة الصراع العربي ــ الاسرائيلي من خلال ايجاد دور اوروبي فاعل في عملية الصراع العربي ــ الاسرائيلي من خلال ايجاد دور اوروبي فاعل في عملية السلام في ظل الانكفاء الروسي, ولكن الرهان العربي على الدور الاوروبي لم يكن في محله لأسباب موضوعية من جهة ولأسباب اخرى تتعلق بموقف اوروبا مع اسرائيل ونظرتها اليها من جهة ثانية, ومن الاسباب الموضوعية: * طغيان النفوذ الامريكي في المنطقة العربية والمحاولات الامريكية والاسرائيلية المستمرة لابقاء الاتحاد الاوروبي بعيدا عن مسار العملية السياسية والامنية الجارية في المنطقة الا في اطار الدور الوظيفي الذي يكمل الدور الامريكي والذي يتجلى في تقديم المساعدات الاقتصادية. * افتقار دول الاتحاد الاوروبي الى مركز واحد لصنع السياسة الخارجية بالرغم من مرور سنوات على ولادة الاتحاد, اذ ان السياسة الخارجية للمجموعة الاوروبية تفتقر الى القوة والقدرات والوسائل والتكامل والانسجام, الامر الذي حرم الاتحاد من ترجمة طموحاته السياسية حيال المنطقة العربية. * الى جانب هذه الاسباب الموضوعية فإنه ينبغي القول ان علاقة الاتحاد الاوروبي باسرائيل هي علاقة عضوية سياسية تشكل اولوية في السياسة الاوروبية حيال المنطقة العربية, والموقف الاوروبي من اسرائيل والصراع العربي ــ الاسرائيلي لا يمكن ان يكون خارج سياق هذه العلاقة العضوية, ولعل السبب نفسه يفسر سبب غياب مبادرة اوروبية فاعلة حيال الصراع العربي ــ الاسرائيلي وكذلك رفض اوروبا التنديد بالاعتداءات الاسرائيلية الاخيرة والمتواصلة ضد ابناء الشعب الفلسطيني واصرارها على ما يسمى بالتوازن بين القوة المحتلة وبين الشعب الذي يعاني من الاحتلال. رغم هذه الجوانب الناقصة في الشراكة الاوروبية ــ المتوسطية والابعاد السلبية للعلاقة الاوروبية ــ الاسرائيلية على العلاقات الاوروبية ــ العربية فإنه هناك جوانب عديدة للعلاقات الاوروبية ــ العربية تعد في جميع الاحوال ضرورية لبناء مصالح مشتركة وعلاقات اقتصادية وتجارية وصناعية فاعلة وعضوية في شتى المجالات والصعد, وانطلاقا من هذه المصالح فإن الآفاق لتأسيس شراكة عربية ــ اوروبية حقيقية تبقى حيوية مفتوحة بحكم الحاجة العربية الى الخبرة الاوروبية مقابل الحاجة الاوروبية الى المواد الاولية في الوطن العربي, ان مثل هذا الامر يرتب على الجانب العربي القيام يمسئولياته التاريخية حيال مشروع العمل العربي المشترك في الاستفادة بأكبر شكل ممكن من التجربة الاوروبية في الوحدة اولا وفي مضاعفة الجهود لتقوية الوضع العربي بشكل يتيح وحدة العمل في الحوار مع الاتحاد الاوروبي ثانيا من اجل بناء شراكة عربية ــ اوروبية حقيقية حتى لو تطلبت هذه الشراكة اعادة النظر في اسس الشراكة الاوروبية ــ المتوسطية. كاتب سوري