صح ماتوقعناه فى الأسبوع الماضي. كشف الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته كلينتون عن مقترحاته رسميا لأول مرة, وأكد فيها على رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين وعلى تقسيم القدس واقتسام المسجد الأقصى. ولم يشر كلينتون الى التحفظات الفلسطينية على المقترحات. أى انه كما قلنا من قبل أخذ من عرفات (نعم) التى قبل بها أن تكون المقترحات الأمريكية أساسا للحل, أما (لكن..) التى وضع فيها عرفات شروطه وتحفظاته فقد تجاهلها كلينتون تماما. وبهذا كشف الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته عن الهدف الأ ساسى من هذا الجهد الهائل الذى تبذله ادارته فى أيامها الأخيرة من أجل جر الفلسطينيين الى قبول الحل النهائى بصورته الامريكية الاسرائيلية ولو بصورة مبدئية تترك التفاصيل لمباحثات قادمة تحت اشراف ادارة الرئيس الأمريكى القادم بعد أيام (بوش الابن). ولا أظن أن السلطة الفلسطينية كانت تجهل مايريده كلينتون, ولا أظن أن عرفات كان لا يدرك أن (نعم) المطلوبة منه هى المقصودة, وأن اشتراطاته وتحفظاته لن يكون لها مكان, ولن تأخذها الادارة الأمريكية بعين الاعتبار. كان عرفات يدرك ذلك بالقطع, ومع ذلك ذهب, وفاوض, وقال: (نعم) المطلوبة, ربمان لأن الرجل ورفاق مسيرته وزملاءه فى السلطة الفلسطينية يشعرون أن المسيرة قد قاربت على النهاية وليس فى الأفق أكثر من الحل المطروح, وليس فى الطاقة مايجبر (الآخرين) بالتسليم للشعب الفلسطينى بماهو أكثر. وربما كانت (نعم) لأن الرجل أدرك أن هذا هو القرار الأمريكى الأخير, وأن عليه كما ألمح اليه كلينتون أن يتحمل مسئولية رفض المقترحات, ومسئولية حرب قد تشنها اسرائيل وستؤيدها أمريكا. وربما كانت (نعم) لأن الرجل كان يدرك أن الظروف الدولية والإقليمية لن تتيح له شيئا أكثر مما طرح عليه, وأن الدول العربية التى تواجه هى الأخرى ضغوطا أمريكية مشابهة ستوافق فى النهاية على مايتم التوصل اليه, وأن كل ماتحتاجه لتمرير (الصفقة) هو استعادة الأقصى.. وبعد ذلك فليفعل أبوعمار مايشاء وليتنازل أولا يتنازل فهذا شأنه مع شعبه ومع الآخرين! وربما كانت (نعم) لأن استمرار المقاومة يعنى ضمن أشياء كثيرة احتمال سقوط القيادة الفلسطينية الحالية وبروز قيادات أخرى أكثر التصاقا بالشارع الفلسطينى, وأكثر تمسكا بالثوابت الوطنية الفلسطينية, وأكثر قدرة على تقديم النموذج القادر على قيادة النضال الوطنى الفلسطينى فى المرحلة المقبلة.. متحررين من قيود الا تفاقات العلنية والسرية, ومن فساد الإدارة, ومن العجز عن تحويل الانتفاضة الى حركة تحرير لا تلقي السلاح الا باستعادة الحقوق وتحقيق الاستقلال وضرب المشروع الصهيونى بكل عنصريته وعدوانيته ونازيته وارهابه. المهم أن عرفات بعد الكثير من اللف والدوران ذهب الى واشنطن وقال (نعم) للمقترحات الأمريكية بشروط. وجاء كلينتون ليعلن مقترحاته للحل النهائى مهملا الشروط والتحفظات. مطالبا الجميع بقبول هذا التصور الأمريكى الذى قبلته اسرائيل على الفور لأنه فى الأصل تصورها ورؤيتها, ولأنه يضمن لها اغلاق الملف بشروطها هي. وبرغم تصريحات فلسطينية غاضبة من اعلان كلينتون لمقترحاته وصل بعضها الى رفض هذه المقترحات.. فإن الموقف الرسمي الفلسطينى لم يصل الى هذا الحد, بل على العكس تواصل العمل تحت ظل المقترحات الأمريكية, وجاء مدير المخابرات الأمريكية ليبحث مع الأطقم الأمنية الفلسطينية والاسرائيلية فى (وقف العنف).. وهو الاسم الحركى للقضاء على الانتفاضة ثم اجتمع عرفات رئيس الأركان الاسرائيلى السابق وزير السياحة الحالى شاحاك, ليتفق معه على استئناف الدوريات الأمنية المشتركة بين الجيش الاسرائيلى والشرطة الفلسطينية فى قطاع غزة والضفة الغربية, وهو مايعنى تعاون الجانبين فى ايقاف الانتفاضة واستعادة الهدوء! عاد التعاون الأمنى بين السلطة الفلسطينية والجيش الاسرائيلى تحت اشراف المخابرات الأمريكية. وهو أمر لا يمكن أن يصدر عن رفض للمقترحات الأمريكية التى قدمها كلينتون كما يقال, بل عن توافق على أسسها الرئيسية على الأقل! أى على التنازل عن حق العودة, والموافقة على تقسيم القدس وبقاء المستوطنات, واستمرار السيطرة العسكرية والاقتصادية على الكيان الفلسطينى المقترح. هذه الأسس هى التى سيتركها للإدارة الأمريكية المقبلة لتكون أساسا لأي تحرك أمريكى فى عهد بوش, ولكى تكون البديل عن كل القرارات الدولية المتعلقة بقضية فلسطين. فهذا الحل الأمريكى الاسرائيلى سيكون محور التحرك فى الفترة المقبلة, وستسعى أمريكي (تحت أى ادارة) للحصول على تأييد أوروبا وروسيا والصين له, تمهيدا لفرضه على العرب. ولا تخفى أمريكا هذه الرغبة فى ابعاد الأمم المتحدة عن القضية تمهيدا لإسدال الستار على كل القرارات التى صدرت لتأييد الحقوق الفلسطينية. وليس صدفة أن يوجه ريتشاردهو لبروك المندوب الأمريكى الدائم فى الأمم المتحدة فى هذا الوقت بالذات تحذيراته من أى تدخل من المنظمة الدولية فى صراع الشرق الأوسط باعتبار أن هذا التدخل سيكون بمثابة صب الزيت على النار, مؤكدا أن تدخل المنظمة الدولية سيضر بعملية السلام, وان دعم غالبية الدول فى الأمم المتحدة للفلسطينيين هو (حماقة). فالمطلوب الآن ليس فقط أن تنفرد أمريكا بالاشراف على فرض الحل المناسب لها ولاسرائيل فى الشرق الأوسط, بل وأن تقطع أى طريق على أى جهد دولى لإقرار الشرعية الدولية, وأن تكون الرؤية التى أملتها اسرائيل وعرضها كلينتون باسم أمريكا هى الحل النهائى الذى لابد أن يقبله الفلسطينيون صاغرين والا تعرضوا لحرب شاملة تشنها اسرائيل عليهم وعلى دول عربية أخرى وتؤيدها فى ذلك أمريكا كما هدد الرئيس الأمريكى عرفات فى اجتماعهما الأخير. و.. نحن نكتب والأحداث تتسارع, وتوقيع (التفاهم) الأمنى كما تسميه السلطة الفلسطينية يعنى أن خطة كلينتون بدأت تأخذ طريقها للتطبيق, ويعنى أن المباحثات السرية والتى لم تتوقف أبدا بين الطرفين الإسرائيلى والفلسطينى قد حققت تقدما مهما. وينبغى هنا الوقوف أمام تصريحات القيادي الفلسطيني فيصل الحسينى بعد مباحثاته الأخيرة فى باريس. ليس فقط لأن باريس كانت على (الخط) منذ فترة طويلة بالنسبة للبحث عن تسوية, ولكن أيضا لأن مايطرحه الحسينى يكشف الكثير من تفكير القيادة الفلسطينية الآن. فهو يقول: إن القيادة الفلسطينية تريد تثبيت بعض اقتراحات كلينتون مثل (القدس الشرقية عاصمة لفلسطين) وتريد أن تطرح الأجزاء الأخرى (مثل اللاجئين) فى مباحثات مستقبلية. فى موضوع عودة اللاجئين, مطلوب نقل اسرائيل من مرحلة (الفزع) من التعامل الى مرحلة (المخاوف). وهو يطرح رؤية تنطلق من الاعتراف الاسرائيلى بحق العودة مع وضع الضمانات التى تكفل عدم المساس بالوجود الاسرائيلى. بمعنى أن تصبح الخيارات الأخرى هى الاكثر جاذبية امام اللاجئين, فيفضلون العودة الى الدولة الفلسطينية بدلا من مدنهم وقراهم. وفى مو ضوع القدس يرفض الحديث بالنسب, لأن اعطاء إسرائيل نسبة معينة من أرض القدس العربية يعنى انطلاق الاستيطان فيها بشكل هائل. وبدلا من ذلك يقترح أن يكون هناك تبادل بالحد الأدنى وبناء على الحاجات الحقيقية, وبشرط أن من يأخذ فى القدس (الشرقية) عليه أن يعطى فى القدس ( الغربية). وفى قضية الأماكن المقدسة يتفق الحسينى مع كلينتون فى أن القضية هى قضية لغة أو صياغة لكنها مهمة جدا لأن الغموض هنا سيكون غموضا هداما. وهو يريد أن يكون الحديث عن سيادة اسرائيلية على المكان الذى يصلى فيه اليهود فقط.. (فحائط المبكى الذى هو حائط البراق مساحته 58 مترا, أما الحائط الغربى الذى يتحدث كلينتون عنه وعن امتداداته فيصل الى 400 متر. وهو يقترح الا يحفر أى طرف من الأطراف فى هذه المنطقة, وأن يلتزم كل طرف بعدم المساس بمشاعر الآخر (فلاهم يخربون فى حائط المبكى أى حائط البراق, ولا نحن نقوم بحفريات تحت المسجد الأقصى حتى لا نثير مشاعر اليهود). باختصار شديد.. القضايا المعقدة بما فيها قضية العودة وقضية القدس قابلة للحل من خلال المقترحات الأمريكية سواء بتعديل الصياغات أو بالاعتراف بحقوق لا يمكن تمرير أى حل بدونها (مثل حق عودة اللاجئين) مع وضع التفاصيل التى تحوله الى مجرد حق نظرى لا تتم ترجمته الى واقع حقيقى واعطاء الضمانات التى تكفل طمأنة اسرائيل على أن عدد العائدين لن يزيدوا على العدد المحدود الذى وافقت على اعادته من قبل لأسباب انسانية!! ربما يفسر ذلك سر (نعم) التى قدمها عرفات لكلينتون. وربما يفسر أيضا سر الهلع الذى أصاب القيادة الفلسطينية حين طرحت الانتفاضة رؤية أخرى تتحدث عن نهاية الأسس التى قامت عليها عملية أوسلو, والحاجة الى مرجعية جديدة للمفاوضات تستند الى قرارات الشرعية الدولية. وربما يفسر ذلك سر الصلف الذى يتعامل به كلينتون مع بعض المفاوضين الفلسطينيين, فهو يعرف أن هناك تهافتا منهم على الحل, وقبولا بالحد الأدنى ومادون الحد الأدنى, وأن هناك خوفا من أن تتحول الغضبة الشعبية الى السلطة نفسها. وستشهد الأيام القليلة المقبلة سعيا محموما على كل الجبهات.. ليس فقط من أجل انقاذ باراك أو تمهيد الطريق لعودة بيريز, وليس فقط من أجل تتويج كلينتون رسولا للسلام بدلا من خروجه للمحاكم واستعادة فضائح مونيكا والسيجار, وانما لترجمة اللحظة الراهنة الى استسلام تاريخى يوقف تأثير الانتفاضة, وينزع سلاح المقاومة, ويصفي القضية الفلسطينية نهائيا لصالح العدو الاسرائيلى. هل يستطيعون.. أم أن روح الانتفاضة ستثبت انها الأقوى, فتصمد أمام العاصفة, وترفض (الصفقة) المشينة, وتعزز قيادتها الجديدة القادرة على ادارة الصراع بروح المقاومة الواثقة من انتصارها, بدلا من الذين أدمنوا التنازل واستهانوا بأرواح الشهداء. مهما كانت الاجابة, فإن مرحلة من النضال الفلسطينى تنطوى بكل مافيها من انجازات وانكسارات, بقياداتها وسياساتها, لتفسح الطريق لمرحلة جديدة وقيادات جديدة سوف تولد حتما من رحم الانتفاضة وقلب المقارنة.