ما هي العلاقة بين العبقرية والجنون؟ ثم ما العلاقة بين الإبداع والاضطرابات النفسية؟ ربما يكون السؤال بكل ما يحمله من استفهام, ليس جديداً, فقد طرحه الكثيرون, وتناولته الدراسات بالتحليل, وربما اختلف في إجابته البعض وأكد البعض الآخر وجود علاقة وثيقة, بل قد تصل شريحة واسعة إلى التأكيد بأن العبقرية والجنون هما وجهان لعملة واحدة هي التناقض في الشخصية, أو الوقوع في حالة الانفصام التام. لكن الجديد في الأمر أن دراسة حديثة ذات نتائج مثيرة, أكدت أن الأمراض العقلية والاضطرابات النفسية تصيب نسبة كبيرة من المفكرين والفنانين والكتّاب والمبدعين, وللأسف نسبة أقل من السياسيين الذين هم في الغالب الأداة الفاعلة في مآسي الآخرين. والسؤال الذي يبقى بلا إجابة: ما هو السر في عبقرية المبدعين التي تعتبر هبة يودعها الله في بعض العقول ولولاها لأصبحت العبقرية مكونات يمكن صنعها وإيداعها في عقول البعض وأصبح ميسوراً أمام ذوي السلطة والمال أن يكونوا عباقرة كما يشاءون؟ ونعود إلى سؤالنا الأول عن العلاقة بين العبقرية والجنون والإبداع والاضطرابات النفسية... فالتاريخ يقول إن هناك علاقة والشواهد تشير إلى بعض النماذج, فالفنان العالمي فان جوخ قصته معروفة مع معشوقته, وقبله قيس الذي قاده حبه لليلى إلى الجنون. والفيلسوف الألماني نيتشه الذي أصيب بالجنون. وقد حاول بعض الأطباء النفسيين تحليل الظاهرة فخلصوا إلى أن حياة المبدعين تسير على حبل مشدود يختلط فيه الإبداع بأعراض نفسية أساسها الإحباط والتوتر والاضطرابات... وفي المقابل أكد بعض الأطباء عدم وجود أية علاقة بين العبقرية والجنون. وقالوا كيف لإنسان غير سوي, وليس متزناً, وصاحب أفكار مشوشة, أن يخلق ويبدع؟ لكنهم لم ينفوا أن حالة من شرود الذهن أو التأمل الطويل ولحظة تداعي الأفكار قد تنتاب العبقري أو المبدع. وغني عن القول ورغم اختلاف الأطباء في الحالتين, إن هناك حقيقة ثابتة تتمثل في وجود فوارق بين البشر في القدرات العقلية, ودرجات الذكاء, تمنح التفوق للبعض, والإخفاق للبعض الآخر. كما أن الموهبة والاستعداد الفطري والرغبة في التطور والجدية في العمل كلها عوامل مساعدة وهي التي تجعل الفوارق تتسع بين إنسان وآخر. إذن القضية شائكة وطويلة والدراسات حولها وعنها مستمرة منذ أزمان بعيدة. لكن المهم في المسألة أن يبقى الإنسان متصالحاً مع نفسه, متجانساً مع تكوينه حتى يجعل من إبداعه وسيلة لإسعاد الآخرين, ومن عبقريته ركيزة لخير البشرية. وبذلك فقط يؤكد الإنسان أنه كائن عاقل لا علاقة له بالجنون أو الاضطرابات النفسية, مهما عظمت إحباطاته, وتضاعفت همومه, وكثرت إخفاقاته, وزادت عثراته في طريق الحياة, لأن الدافع لتخطي الفشل هو أول خطوة في طريق النجاح. آخر نقطة قال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: (إذا صار قلب الرجل خالياً من المشاعر الإنسانية فما النفع من تمسكه بالمظاهر الاجتماعية, وبقواعد المعاملات الكريمة).