عندما دخل القرن العشرون من بوابة التاريخ وفرض نفسه طوعاً وقهراً على مساحة الأحداث المتثائبة آنذاك, لم يدر بخلد أشد المتفائلين وأكثرهم رؤية وبعداً أن يلفظ هذا القرن أنفاسه بكل هذه المنجزات الحضارية المتسارعة, فقد كان العالم يصارع أشباح المرض والتخلف والانشقاق والصراعات التي ورّثها إياه القرن التاسع عشر, ورغم ذلك ظهرت هنا وهناك أنفاس عطّرت ثياب العالم وكحّلت عيونه. ومثلما نطوي اليوم صفحات مليئة بالإنجازات والرؤى التي أصبحت واقعاً معاشاً, طوى من عاش نهاية القرن الماضي صفحات أخرى حملت ما حملت من مآسٍ وأحزان, لكنهم تفاءلوا بتباشير القرن العشرين, فحلموا كثيراً وعملوا طويلاً وحققوا ما لم يدر على بال. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام كيف ننظر إلى المستقبل, وكيف نظر من قبلنا إلى ما وصلنا نحن إليه؟ وحتى لا أتشعب كثيراً وأتعبكم طويلاً أقف عند الشق الثاني من التساؤل, وأتجول معكم مع أحلام الناس في القرن التاسع عشر ورؤيتهم للقرن العشرين. وعليه نستنتج تلقائياً ما نحن عليه عازمون. توقع العلماء والباحثون أن تزدحم السماء بالطائرات والإشارات الضوئية والجسور المعلقة ومحطات البترول والمحلات التجارية, حيث ستختفي السيارات من حياتنا المعاشة وسنستبدلها بطائرات فضائية صغيرة ومثيرة, ولكن هذا لم يحدث. كما توقع الباحثون في بداية القرن العشرين أن نتعامل مع مخلوقات من كواكب أخرى نتعاطى معها ونفهم لغتها ويكون بيننا وبينها لغة حوار واتفاقيات اقتصادية واستثمارات, حيث سنكتشف تطورها التكنولوجي والطبي, وستكون هناك علاجات لأمراض خطيرة ستقدمها تلك المخلوقات الفضائية في ضوء الشراكة القائمة بيننا, وهذا أيضاًَ لم يحدث... فيما توقع الناس من خلال استطلاع فرنسي عما يحمله القرن العشرون من آفاق علمية كبيرة مثل التوصل إلى علاج لأمراض معدية وخطيرة, وقد تحقق ذلك بفضل الثورة العلمية المذهلة والاكتشافات العلاجية المثيرة, وتوقع آخرون الوصول إلى القمر وقد تحقق هذا الحلم الذي راود الشعراء والمحبين طويلاً, إلا أنهم أصيبوا بالخيبة عندما عرفوا أن هذا القمر المضيء ما هو إلا أرض يابسة جرداء تتخللها الصخور! عموماً أضع نقطة هنا لأبدأ من أول السطر حول آفاق القرن الحادي والعشرين وكيف ينظر له العالم اليوم. عندما تم طرح سؤال بسيط عن تصورات الإنسان للمستقبل وجاءت الإجابة مثيرة وتحمل في طيّاتها آمالاً عراضاً, فقد قامت مجموعة من الصحفيين الأمريكيين بإعداد استطلاع القرن وجاءت الإجابات متباينة لكنها تحمل الكثير من التصورات والأحلام المستقبلية... بعض الذين أجابوا عن الاستطلاع اقترحوا تطوير جهاز أو صنع رقيقة إلكترونية تحتوي على آلة لكشف الكذب تزرع في جسم كل سياسي أو مرشح للرئاسة. وتوقع بعض القراء إيجاد علاج لمختلف الحالات المرضية وإزالة العيوب الوراثية وتطوير طرق وأدوية لإدامة الشباب, ونظام موحد لتشغيل كل كمبيوترات العالم. ومن الأشياء المثيرة التي توقعها البعض تقليل دوران الكرة الأرضية لزيادة زمن اليوم بساعة أو ساعتين, بينما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك حيث تخيل أحدهم أدوات للتقليل من عناصر العمل المكتبي, حيث اقترح تطوير رقيقة إلكترونية تزرع داخل أدمغة ألف من مديري الشركات الكبرى تدفعهم يومياً للتجول في الساعة السادسة مساء والاستفسار من العاملين في شركاتهم ومؤسساتهم عن أسباب بقائهم في مكاتبهم وعدم تنفيذ أعمالهم بشكل مبكر. وتوقع أحدهم تطوير بطاقة موحدة برقائق إلكترونية تستخدم لشتى الأغراض, فهي إجازة لقيادة السيارة, وبطاقة مصرفية وبطاقة إئتمان, وبطاقة صحية, وبطاقة نادي, وبطاقة هاتفية وبطاقة لفتح السيارة والمنزل وجواز سفر أيضاً! أما التصور الأكثر إثارة لأنه قديم لم يستطع التقدم العلمي ولن يستطيع تحقيقه هو ما تورده أفلام الخيال العلمي كثيراً والمتمثل في تطوير تقنيات لانتقال الناس في زمن سريع جداً من بقعة إلى أخرى, حيث تنتفي مهمة الطائرات والسيارات و المطارات وكل الأشياء المادية الأخرى. هذا ما توقعه الناس العاديون, أما عن آفاق التلفزيون في القرن الحادي والعشرين فيتوقع أن يشهد التلفزيون تطوراً جديداً في أسلوب أدائه بحيث يمكن للمشاهد أن يتحكم بالبرامج والفقرات المعروضة بشكل تام, حيث سيمكنه بواسطة الريموت كنترول الانتقال إلى لندن لمواكبة الأحداث هناك مباشرة, ومن ثم ينتقل لمشاهدة مباراة في كرة القدم قبل أن يعرج لشراء تذاكر لمسرحية ستعرض بعد يومين, وهكذا تصبح برامج التلفزيون رهن إشارة المتفرج, إلا أن هذا التطور سيعجل من التغييرات الحاصلة في جهاز التلفزيون لتضع مسئولي الخدمات الشبكية في وضع لا يحسدون عليه في الألفية الثالثة, ولكن الإبداعات الحاصلة سترجح كفة التكنولوجيا في عالم الغد لأنها ستوفر خيارات لا نهاية لها للبرامج التي نرغب مشاهدتها بفضل الترابط الحاصل بين الكمبيوتر وجهاز التلفزيون. لكن تلك الآمال العراض التي علقها العالم على ما يمكن أن تحدثه شبكة الانترنت من ثورة في عالم الاقتصاد والمال والمعرفة بدأت تتسربل, حيث أخذت الشكوك تساور الكثيرين حول إمكانية تحقق تلك الآمال في المستقبل القريب. وقالت إذاعة لندن في تقرير أخير لها, ظن البعض أن الانترنت ستقلب حياتنا رأساً على عقب, وقيل إنها ستعيد كتابة قواعد التجارة وستحرر البشر من واجباتهم اليومية المضنية, وأنها ستؤذن بقدوم حقبة جديدة في التطور البشري تزدهر فيها الحرية والمعرفة, وتتلاشى فيها الحواجز بين المجتمعات المختلفة وبين أفراد المجتمع الواحد, لكن ذلك لم يتحقق وحتى إن كانت الانترنت قد حققت بعض النجاح فإنه لم يتواصل وقد أصبح من الواضح أن ثمار ما يطلق عليه ثورة المعلومات لم تظهر بعد, بل إن هناك بعض المؤشرات على انحسار موجة الانترنت. وقد خلصت أبحاث أجريت مؤخراً على تأثير الانترنت على المستهلكين إلى أن شبكة الانترنت لم تغير أنماط الاستهلاك لكنها ساعدت على نمو أشكال الاستهلاك العادية وأن التحول إلى البيع والشراء على الانترنت يحتاج إلى مرور عقد أو عقدين من الزمان. ويرى جون مول الباحث في مجال الانترنت أن الوفرة التي تتيحها الانترنت في أساليب استقاء المعلومات بدأت تحدث تغييرات مهمة, فقد مكنت الانترنت أي إنسان من صياغة عالمه الذاتي الذي يحصل فيه على ما يريد من أنباء أو معلومات, أى ان الشبكة أصبحت تستجيب لميول واحتياجات مستخدميها وهذا يعني أن التغيير يشير إلى حقيقة مهمة وهي أن البشر هم الذين يغيرون الانترنت وليس العكس.. عموماً لننتظر ونرى ما سيسفر عنه الغد, فإن غداً لناظره قريب!