المزج بين المدرسة الدستورية في فهم النظام السياسي والمدرسة السلوكية هو التعبير عن جوهر العلاقات والتفاعلات والأدوار والوظائف الدائرة بين المؤسسات السياسية الحكومية والشعبية وجماعات الضغط ، والمصالح القائمة في المجتمع وترتيبا على ذلك فإن النظام السياسي الإسرائيلي يعني الايديولوجيا السائدة في الكيان الإسرائيلي ومدى مساهمتها وفاعليتها في تشكيل مجموعة القيم الحاكمة للنظام. ويعني ثانيا التناول التفصيلي لمؤسسات ولأحزاب هذا النظام, ويعني ثالثا الحديث عن النخب الممارسة فيه. والمعروف عن الصهيونية أنها أيديولوجيا النظام السياسي الإسرائيلي وهي بنية فكرية متسقة لا تختلف في تركيبها عن الأساطير اليهودية ولا عن الديانة اليهودية. وقد تشكلت تلك البنية من الديانة اليهودية ومن الأساطير التي أحاطت بها ودخلت عليها, ومن موروث الشعوب التي عاش اليهود بين ظهرانيها, ومن التفاعل مع الجغرافيا المتنوعة التي أقاموا عليها في الشتات, ومن التأثر والتفاعل مع الأفكار والعقائد السائدة في التجمعات الخاصة لهم عبر أزمان متعددة. لذلك فهي بنية تمزج المقدس والمدنس معا, وبين القومي والديني. وهكذا مثلت الديانة اليهودية إطارا عاما للنظرية الصهيونية, منها نبعت فكرة (الخلاص والعودة) وعبر الايمان بها تمسك اليهود (بوعد الله لشعبه المختار والمقدس) في الحصول على (أرض الميعاد) بعد التسليم والإيمان بتلك المسلمات الدينية, أخذت الصهيونية على عاتقها رسم استراتيجية الأسلوب وصياغة شبكة الوسائل لتحويل الحلم الإيماني الغيبي إلى واقع مادي معاش وملموس وهكذا كانت الصهيونية بمثابة القبة الحاملة للحلم في وطن ولو على حساب وطن آخر وشعب آخر لماذا لا وهم الشعب المختار من الإله ؟! لذلك تبلورت الصهيونية بغرض حل المسألة اليهودية (معاناة اليهود في أوروبا من التفرقة والاضطهاد). وبالرغم من تعدد الاتجاهات والرؤى داخل الصهيونية في تفسير معاناة اليهود تلك. إلا ان كافة المدارس اتفقت على الصهيونية كحل للمسألة اليهودية. فها هي الصهيونية السياسية, التي عبر عنها هرتزل, والتي أرجعت المسألة اليهودية إلى مشكلة اليهود غير القادرين على الاندماج, ولم تجد من حل إلا بأن يصبح اليهود شعبا مثل كل الشعوب والقوميات وأن تتحول الديانة إلى أيديولوجيا, وأصحابها إلى قومية. أما الصهيونية الثقافية التي ترى أن المشكلة تنحصر في الخطر الحقيقي المهدد للاستمرارية اليهودية والمتجسد في فقدان اليهود الاحساس بالوحدة والترابط وضعف تمسكهم بالقيم والتقاليد وكان من أبرز ممثليها الحاخام صمويل موهيلفر رأت في الدولة اقترابا من قدوم الماشيح, وأحكام لقبضة القيم الدينية على الوجدان اليهودي. وهكذا كانت الصهيونية بمدارسها المتعددة, تنتظم تحت سقف واحد هو الأمة, وقد عبر عن ذلك (مشويه ليلينلوم) قائلا : (إن الأمة كلها أعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة والمتعلقة بالأمور الارثوذكسية أو الليبرالية في الدين, عندما يتعلق الأمر بالأمة يجب أن تختفي الطائفية فلا مؤمنون ولا كفار, بل الجميع أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب, لأننا كلنا مقدسون). ويضيف بن جوريون الزعيم الصهيوني ورئيس أول حكومة إسرائيلية, على ذلك بقوله (إن ما ير بط بين اليهود ليس الدين اليهودي! بدليل أن الحركة الصهيونية فيها يهود متدينون ويهود لا دينيون, أي يهود ملحدون لا يؤمنون بوجود الله, ولا يربط اليهود العنصر الواحد بعد هذا الشتات الواسع بين اليهود في شتى البلاد والقوميات, ولا اللغة الواحدة بدليل أن اللغة العبرية كادت أن تختفي تماما قرونا طويلة ومعظم يهود العالم لا يعرفونها ولا يتكلمونها. إن ما يربط اليهود جعل تلك الصفات الأخرى كالدين والعنصر واللغة, صفات قابلة لأن تجمعهم من جديد, صفة أخرى أساسية, وهي رؤيا العودة.. والإيمان بأن الخلاص في العودة إلى جبل صهيون حيث أقام داود معبده الأول أي إلى أرض إسرائيل). أما رابين فيقول : (إنني مؤمن بالحق التاريخي للشعب اليهودي في العيش على جميع أرض إسرائيل, ولذلك فلا يمكن أن تقام الدولة الصهيونية إلا في هذا المكان لأسباب دينية وتاريخية وأخلاقية. مما سبق ينكشف لنا أن الديانة اليهودية هي العصب الذي تشكلت حوله الصهيونية, حيث قامت الصهيونية على التقمص النظامي لليهودية. وذلك عبر عدد من (الحاخاميين) اليهود الأوروبيين أمثال (ديفيد ريبنيي) , (سولومون مولكو) في القرن السادس عشر وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, وعلى أيدي المفكرين اليهود, وكان من أشهرهم : رابي (يهودا ألكالاي) و(رابي كاليشر), (موشي هيسي) و(بيريز سمولونسكي). وترتبط الصهيونية الحديثة باسم (تيودور هرتسل)الذي ينسب إليه صياغة (الأيديولوجية) بوجهها السياسي في كتابه (الدولة اليهودية) الذي ظهر عام 1866 م, والدعوة إلى عقد المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة, واتخاذ الخطوات العملية لاقامة الدولة بدءا من إنشاء (الوكالة اليهودية) و(الصندوق القومي لليهود), ذلك الصندوق الذي بدأ في شراء أراضي الفلسطينيين منذ عام 1901 و(المنظمة الصهيونية العالمية). وقد عبر قادة الحركة الصهيونية الأوائل عن الارتباط الوثيق بين (الصهيونية كقومية) وبين العقيدة اليهودية, ومن خلال فكرتين محوريتين في اليهودية (التوراة والتلمود) هما (أرض الميعاد) و(شعب الله المختار) وقد تم نسج الأيديولوجية الصهيونية حولهما. وفي بيان اعلان (دولة إسرائيل) في الرابع عشر من مايو عام 1948م, جاء ما نصه (أرض إسرائيل كانت المكان الذي ولد فيه الشعب اليهودي, وهنا نشأت الأمة اليهودية وتكونت قيمها الثقافية والقومية, ومن هنا خرج للعالم (سفر الأسفار) (التوراة). لذا كان طبيعيا أن تكون قيم التوراة هي بمثابة الشرعية الأخلاقية لسلوك الإسرائيليين وتكون كذلك تمثيلا لمطلقات أبناء التجمع الصهيوني في (إسرائيل). وإزاء ذلك كان من الطبيعي أن يعبر مشروع الدستور الإسرائيلي الذي أعده الدكتور (ليوكوهين) عن ذلك في مقدمته بعبارة (بكل خضوع نقدم الشكر إلى إله آبائنا على ما من به علينا من الخلاص من أثقال المنفى وإعادتنا إلى أرضنا القديمة.. واننا قد عقدنا العزم على أن نبني دولتنا على أسس من المثل العليا من العدالة والسلام, تلك المثل التي أورثنا إياها أنبياء بني إسرائيل. ومن خلال ذ لك تم الربط بين (الشريعة اليهودية) و(الدولة الإسرائيلية) وأصبحت الشريعة منهج حياة متكامل يغطي سماء (إسرائيل). وقد أثرت مفاهيم التوراة على الفكر السياسي الصهيوني, والنظام السياسي الإسرائيلي في مسألة من أهم المسائل السياسية وهي مسألة الأمن, حيث نبعت نظرية الأمن الإسرائيلية من العقيدة الدينية التي تأمرهم إن هم دخلوا أرضا أن يطردوا أهلها, ففي سفر (العدد) الاصحاح الثالث والثلاثين, وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكا في أعينكم ومنافسا في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها, فيكون أني أفعل كما هممت أن أفعل بهم (55-56). هكذا نحن أمام بناء فكري يستند إلى نص ديني , يمثل إطارا عاما (للنظرية الصهيونية), يتمحور حول فكرة (الوعد الالهي) بإقامة وطن في (أرض الميعاد) عن طريق قيم ومعتقدات اشتقت من النصوص المقدسة مثل طرد الشعب بعد إخلاء الأرض, واستخدام العنف والقتال لأنهما من الأعمال المقدسة. فالحرب عمل مقدس لأن قائدها هو الله (يهوه إله إسرائيل هو في نفس الوقت رب الجيوش, محارب شديد, يقود شعبه بعنف وغلظة). وتعبيرا عن ذلك يقول حاخام جيش الدفاع الإسرائيلي في يونيه 1967 (موشي جورين).. أن حروب إسرائيل الثلاثة مع العرب في سنوات ,1948 ,1956 1967 إنما هي حروب مقدسة, إذ دارت أولاها (لتحرير أرض إسرا ئيل) واشتعلت الثانية (لتثبيت أركان دولة إسرائيل) . أما الثالثة فقد كانت (لتحقيق كلمات أنبياء إسرائيل) ومن أجل تحرير وتثبيت وتحقيق أمن إسرائيل نؤمر بالقتال. وإحياء للتقاليد الموروثة من التوراة فمازالت إسرائيل تسير أمام جنودها في المعارك (التابوت المقدس) وقد كتب عليه (انهض يا الله ودع أعداءك يشتتون واجعل من يكرهك يهرب من أمامك). هكذا استطاعت الايديولوجية الصهيونية المتمحورة حول العقيدة اليهودية (التوراة والتلمود) أن تصنع سقفا من القيم المشتركة للتجمع الصهيوني على أرض فلسطين والقائم على شكل دولة منذ عام ,1948 مما ساعد وساهم في بناء الثقافة السياسية السائدة في هذا الكيان, كما ساهم في تشكيل النظام السياسي الإسرائيلي. وهكذا أصبح الكيان الإسرائيلي كله محكوم بهذا النسق القيمي المشتق من الأيديولوجيا الصهيونية المؤطرة سياسيا للعقيدة اليهودية. كاتب سياسي مصري