كان الحوار أكثر سخونة من (الشاي) الذى كنا نتناوله فى (كافيتريا) فندق (الاستقلال).. أشهر فنادق العاصمة الايرانية (طهران).. مجموعة من المثقفين الايرانيين ينتمون الى التيارات الاصلاحية الليبرالية.. وأنا.. مجموعة غاضبة من اجيال جديدة يائسة مما حولها.. قلقة مما حولها.. وصحفى (متهور) جاء من القاهرة يلقى بنفسه الى المتاعب.. ويريد أن يلمس الحقيقة بأصابعه ويشمها بأنفه ويراها وجها لوجه. ولو كنت مكانى لشعرت بأن الكلمات التى تسمعها يمكن أن تلقى بك فى غياهب السجون أو توقفك على الأقل عدة أيام تحت ضغوط التحقيق.. ولكنك لا تقدر على الانسحاب والا لماذا جئت وقطعت كل هذه المسافة بين القاهرة وطهران؟.. أو لماذا تحتفظ بقلم وورقة وبطاقة عضوية نقابة الصحفيين؟. لو كنت مكانى لاندهشت من جرأة ماتسمع.. فالأجيال الجديدة لا تفرق بين عصر الشاه وعصر الثورة.. ففى كل العصور هناك على حد قولهم حاكم بأمره يحبس الشمس فى قارورة.. ويأخذ السماء الى غرفة الاعدام.. فى كل العصور يأتى حاكم نرجسى عاشق لذاته.. فى كل العصور يأتى حاكم ليضيف الى الحياة عشرات من علامات الاستفهام. وسألتهم: آلا تخافون؟.. فكانت الاجابة قاطعة مثل سيف على بن أبى طالب الذى يضعونه فى أعلى مراتب القدسية: (الخوف كان دائما رفيقنا من يوم كنا نطفة فى الأرحام.. لقد جعلتنا السياسة بكل وجوهها وألوانها جماعات من الايتام.. إن الموت يدخل علينا فى كثير من الأحيان ضاحكا ويقفل الأبواب.. انه لا يميل الا للتعامل بالجملة). كان بعضهم قد شهد ماجرى فى مدينة (خرم آباد) فى نهاية الصيف الماضى ونقلتها شبكات الأخبار على الهواء.. إن الأحداث لا تزال ساخنة رغم ابتعاد الشهور والأيام.. وهذه عادة سياسية ايرانية شهيرة.. مناقشة الماضى على أنه حاضر.. واصرار ماكان على فرض ارادته على ما لم يأت. لقد دعا حزب (تدعيم الوحدة) (دفتر تدعيم وحدت) اثنين من نجوم التيار الاصلاحى الجديد هما (عبدالكريم سروش) و(محسن كديور) للحديث عن (ولاية الفقيه) فى هذه المدينة التى تتبع محافظة (لرستان).. ولأنهما يرفضان هذه الولاية على المجتمع المدنى والسياسى ويضعانها فى حدود التنظيم الدينى فقد وجدا نفسيهما على باب الطائرة فى مظاهرة عدائية صاخبة.. تهتف ضدهما بعبارة: (الموت لعملاء أمريكا).. وهو هتاف يعنى الاعدام الفورى دون محاكمة أو استجواب أو فرصة للدفاع.. فكان أن أخذتهما الشرطة الى حجرة بعيدة فى المطار.. فراح المتظاهرون يدقون على الأبواب والنوافذ بعنف دون ملل أكثر من 7 ساعات كاملة.. وخلال تلك الفترة الزمنية كان عدد المتظاهرين قد تضاعف.. وراحوا يلقون الحجارة على كل مايصادفهم.. ويضربون بالجنازير والهراوات كل من يقف فى طريقهم بما فى ذلك قوات الشرطة التى تعاملت معهم برفق ولين وكأنهم فى خندق واحد.. ولم يكن أمام المفكرين سوى أن يقبلا التنكر فى زى الشرطة وأن يعودا الى طهران دون أن يلقيا محاضراتهما أو يفتحا حوار مع شباب كان ينتظرهما فى معسكر من معسكرات حزب (تدعيم الوحدة).. ولم يكن من الصعب بعد ذلك أن تتهم الصحف الايرانية بأن ماجرى من تدبير (عصابات مافيا السلطة). وقد تصورت للوهلة الأولى أن هذا الاتهام هو نوع من الاتهامات السياسية المثيرة والساخنة التى تلقى بها الصحف المعارضة فى مثل هذه الأحداث.. ولكن لم يكن من الصعب للوهلة التالية أن أتأكد أن هذا الاتهام هو اتهام حقيقى له أسانيده وسوابقه الجنائية فيما يعرف بقضايا الإغتيالات. لقد بدأت هذه القضايا فى عام 1998 عندما بدأ التيار الاصلاحى يخرج فوق السطح ويستشرى ويسيطر ويفرض وجوده على الشارع والجامعات والأحزاب والبرلمان والصحافة والسلطة التنفيذية.. وهو ما أشعر التيار التقليدى المتزمت بالقلق والخوف على نفوذه ووجوده.. فراح التيار التقليدى يستغل الدستور الذى يخول للمرشد العام صلاحيات الغاء كل مايصدر عن البرلمان من قوانين لا تعجبه.. واغلاق كل الصحف التى تعارضه.. ومحاكمة كل الأقلام والأصوات التى تختلف معه ووضعها فى السجون.. لكن هذه الاجراءات لم تحجم التيار الاصلاحى ولم تقيده.. على العكس.. زادت من قوته.. وضاعفت من وجوده. لقد لعبت عقيدة (الاستشهاد) دورها فى تقوية التيار الاصلاحى.. وهو نفس الذى لعبته من قبل ضد الشاه.. لصالح الثورة التى راحت تتحول بعد أكثر من 20 سنة على نجاحها الى بيروقراطية عاجزة عن تطوير نفسها.. رافضة للاستجابة لكل المتغيرات والتحولات والاحباطات.. مصرة على المواجهة والقتال حتى آخر نفس.. مستخدمة فى ذلك الوسائل المشروعة وغير المشروعة.. الوسائل المعلنة والوسائل الخفية. وهكذا.. لم تتردد السلطة فى ايران وهى سلطة يتبعها الجيش والأمن والقضاء وأجهزة الاعلام الرسمية فى اللعب تحت الأرض واستخدام عناصر محترفة فى تصفية رموز الاصلاح من المفكرين والصحفيين والسياسيين.. وكانت البداية اغتيال رجل وزوجته من عائلة (فروهر) فى عام 1998 ثم راحت الدوائر تدور.. وتدور. وثبت من التحقيقات المنشورة فى الصحف أن المتهمين فى تنفيذ عمليات الاغتيالات هم مجموعة من عناصر سابقة كانت تخدم فى وزارة (الاستخبارات).. ولعبت دورا فى محاولات تصفية خصوم الثورة فى الخارج.. وقد شعر المرشد العام بالحرج من كشف العمليات فأمر بتكوين لجنة لمتابعة التحقيقات.. ثم كانت هناك لجنة ثانية.. ولجنة ثالثة.. وخوفا من أن يتورط عدد أكبر من المسئولين فى الفضيحة كان لابد من التخلص من المتهم الأول فى تنفيذ عمليات الاغتيال (سعيد امامى) الذى قيل انه انتحر وهو فى سجنه.. ولم يكن من الصعب التشكيك فى انهم قد أجهزوا عليه حتى لا يضطر الى أن يكشف ماعنده.. وقد منع عرض شريط (فيديو) يسجل اعترافات المتهمين فى القضية.. وهو ماجعل الصحف المعارضة والمستقلة تزيد من اتهامات السلطة فى هذه الفضيحة. ويلعب الدور العلنى والواضح والمباشر فى مواجهة التيار الاصلاحى (الحرس الثورى).. وهو أشبه بمنظمة للشباب فى النظم الرومانسية المتشددة.. وقد لعب (الحرس الثورى) دورا كبيرا فى حماية الثورة فى بدايتها.. لكن بمرور الوقت تحول الى عبء عليها.. خاصة فى هذه الأيام التى لم يعد أحدا من الناس يوافق على مايجرى من سيطرة وديكتاتورية مقنعة بالانتخابات البرلمانية والبيروقراطية الدينية.. ولا يزال (الحرس الثورى) يلعب على أوتار العداء للولايات المتحدة الأمريكية.. (الشيطان الأعظم).. وإن اختفى هذا الوصف تماما من شعارات الجدران وملصقات الشوارع. وربما لهذا السبب لم يعد أحد ينصت جيدا لما يقوله قائد (الحرس الثورى) اللواء (رحيم صفوى) الذى لا يكف عن تكرار انه (يقاتل فى جبهتين.. احداهما خارجية فى واشنطن التى تتعاون مع لندن وتل أبيب والثانية يشنها اعداء الثورة فى الداخل الذين يريدون تغيير المبادئ الاسلامية). وقد تراجعت كثيرا الجبهة الخارجية بعد أن ذهب رئيس الجمهورية (محمد خاتمى) الى نيويورك وتحدث أمام الأمم المتحدة عن لقاء الحضارات.. وهو ماأدى الى زيادة حدة الصراع والحرب فى الجبهة الداخلية.. لقد وجد الدكتور (تقى آزاد أرمكى) عميد كلية العلوم الاجتماعية فى جامعة طهران نفسه متهما بالتجسس و(بيع معلومات للعدو الأمريكى).. وأصبح عليه أن يدافع عن نفسه امام سلطات التحقيق والقضاء والرأى العام.. والا وجد نفسه فى السجن يقضى عقوبة غير عادية. كان الدكتور (أرمكى) قد بدأ لعبة الأبحاث المشتركة بينه وبين مؤسسة البحوث القومية الأمريكية وهى أحد مراكز الأبحاث الأمريكية المؤثرة فى صنع القرار فى البيت الأبيض والبنتاجون والخارجية الأمريكية.. وهذه اللعبة هى الخطوة الأولى عادة للاختراق الأمريكى كما حدث فى معظم الدول التى انتقلت من العداء للأمريكيين الى الوفاق معهم.. كان على الدكتور (أرمكى) أن يصمم استمارة استطلاع يقوم بالاجابة على اسئلتها 3 آلاف شاب ايرانى فى أربعة انحاء من البلاد.. مقابل مايقترب من 50 ألف دولار. وقد اعتبرت غالبية الجماعات السياسية والثقافية والأكاديمية استمارة الدكتور (أرمكى) استمارة معادية للأمن القومى الايرانى.. فهى تسأل الأجيال الإيرانية الجديدة التى لم يتح لها أن تعاصر الثورة فى فورانها وعنفوانها عن مساحة الرضى فى حياتها.. ومدى ثقتها فى المؤسسات الدينية والسياسية.. وكيفية دعم ونشر الديموقراطية.. وحقوق الإنسان.. ثم تدخلت الاسئلة أكثر فى خصوصية العبادات الدينية وراحت تتوسع فى الاسئلة التى توجهها للشباب حول مدى ايمانهم بالله والجنة والنار ويوم القيامة.. ومدى أهمية (الله) فى الحياة اليومية.. ومدى القبول للحكم الحالى.. والخصائص الضرورية للحكومة الجيدة. وحسب ماطرحته جريدة (رسالت) وهو ماترجمته فيما بعد نشرة (مختارات ايرانية) الصادرة عن مؤسسة الاهرام فإن القلق من هذه الاستمارة قلب رأس المجتمع الايرانى.. فلماذا جاءوا من أقصى العالم ليسألوا عن معدل التقوى والدين والارتباط بالله؟.. (ألا يعد هذا البحث وسيلة رخيصة وسهلة للحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها الا من خلال مئات الجواسيس وبتكاليف باهظة.. وإن تم تغليف هذه الطريقة من خلال غطاء البحث العلمى؟).. (لماذا لم تعتبر هذه الأطراف الايرانية بأن نتائج هذا البحث هو نوع من بيع المعلومات بطريقة رخيصة؟).. (هل كانت وزارة الاستخبارات موجودة اثناء دراسة وتوقيع اتفاقية هذا البحث؟).. (ألا تحتاج الولايات المتحدة بالفعل لهذه المعلومات عندما ترغب فى احداث انقلاب أو تدخل عسكرى فى ايران؟). لكن.. رغم كل هذا الاحساس بالخوف والقلق فإن هناك داخل جماعات النخبة الايرانية من تحمس للدفاع عن مثل هذه الأبحاث.. وهو ماكشف عن وجود تيار ثالث يتجاوز التيار الاصلاحى هو مايصف نفسه بالتيار الليبرالى.. وهو تيار لا يشعر بأى حرج أو حساسية فى الدفاع عن السياسة الأمريكية ويطالب بإنهاء حالة العداء للغرب بعد تغير الظروف الدولية وسيادة مايعرف بالعولمة.. وبإعلان هذا التيار عن نفسه تكون ايران قد دخلت مرحلة جديدة وعنيفة من الصراع الداخلى.. وهو مايجعل مستقبلها القريب ملبدا بالسحب والغيوم والعنف والقسوة.. فهذا شعب لا يحسم صراعاته وخلافاته الا بالقوة.. ومستعد أن يموت فى سبيل مايؤمن به مهما كان الثمن المدفوع أو المتوقع. على أن اعداد الذين يتسربون بعيدا عن حلبة المصارعة بين الدين والسياسة تتزايد.. ولكن هؤلاء (المتسربون) لا طريق ثالث أمامهما.. أما التفكير فى الهجرة بحثا عن احلام ملونة تنقلها شرائط الفيديو وأطباق (الدش).. وإما الاستسلام للمخدرات.. لقد أصبح (الإدمان خطرا يهدد المجتمع الإيرانى) على حد عنوان نشرته مجلة (جام جم) أو (المرأة المسحورة) ونشرت ترجمة له نشرة (مختارات ايرانية). لقد وصل عدد مدمنى المخدرات فى ايران الى مليون و200 ألف مدمن بالاضافة الى 800 ألف شخص يستفيدون من المواد المخدرة بصور متعددة.. وحوالى 20% من المدمنين والمتعاطين تحت سن الثلاثين.. والنسبة أقل فوق الثلاثين.. وفوق الأربعين.. فالكبار يهتمون بالسياسة.. والصغار يهتمون بالأفيون. وعندما تزيد المخدرات فإن الجرائم الأخرى تعرف طريقها الى سجادة (التشريفات) الحمراء.. وتصل وهى تختال فى اطمئنان وثقة نحسدها عليهما.. إن أرقام الجريمة تقفز بمعدلات سنوية مثيرة للقلق خاصة فى الأعوام الأخيرة.. أعوام الحيرة والقلق وأمعاء البطن التى تتشابك مع بعضها البعض.. ففى العامين الأخيرين من القرن الذى غادرنا للتو ارتفعت نسبة جرائم الأدمان بنسبة 27% وزادت نسبة جرائم أمن الدولة بنسبة 18% وقفزت جرائم المال بنسبة 29% وحققت جرائم الأسرة زيادة قياسية وهى 23%.. وهى كارثة بكل المقاييس خاصة فى مجتمع مغلق يميل الى العزلة ويقدس الحياة العائلية ويضعها فوق أى اعتبار. وظهرت فى ايران لأول مرة منذ نجاح الثورة ما يعرف هناك باسم (المنكرات).. أو الجرائم الاخلاقية.. مثل الدعارة.. وتهريب الخمور واحتسائها.. والأفعال الفاضحة فى السر والعلن.. لقد زادت نسبة هذه الجرائم حسب الاحصائيات الرسمية بنسبة تزيد عن 10% خلال آخر عامين.. وهى نسبة كبيرة لجرائم شخصية تتوافر فيها الخصوصية والسرية. لقد دخلت الثورة الايرانية مرحلة الكهولة وراحت تأكل نفسها مثل غيرها من الثورات.. فقد تحولت الى دولة وسلطة وحكومة ومصالح وقوى وصراعات.. ولم يعد أحد يعرف هل تقاس بمقاييس الصوفيين أم بمقاييس مدرسة المشاغبين؟.. هل نحاسبها على طريقة الشهداء وجماعة ابناء الصفاء أم نحاسبها على طريقة المسلسلات البوليسية؟.. هل نقيمها بقواعد الخارجين على التقاليد السياسية أم بقواعد آداب الأكل بالشوكة والسكين؟.. على انه مهما كانت قواعد التقييم والمحاسبة للثورة الايرانية فإن تجربتها بعد أكثر من 20 سنة تستحق الاهتمام والمراجعة والبحث عن مساحة الضوء فيها ومناطق العتمة.. والأهم هو أن نبحث عن طبيعة علاقاتنا بها وكيفية التحالف السياسى معها وتأثير ذلك على خريطة المنطقة.. منطقة الشرق الأوسط التى أضيف الى خريطتها السياسية رغم أنوفنا اسرائيل. لقد قمت بهذه الرحلة الى ايران فى وقت تتغير وتتبدل وتقوم وتقعد.. وربما كانت انطباعاتى صائبة.. وربما كانت متسرعة.. لكن فى النهاية كانت الرحلة ضرورية.. الرؤية ضرورية.. أما الصواب والخطأ فيخضع للقاعدة الفقهية الشرعية فى الاجتهاد.. فمن اجتهد وأصاب فله أجران.. ومن اجتهد واخطأ فله أجر واحد.. أجر الاجتهاد.. وهو الأجر الذى خرجت به من هذه الرحلة.