مع أكثر من شخص كان الحديث حول هذه القضية, ولأكثر من مرة سمعت العبارة نفسها تتكرر, (استغلال المنصب ظاهرة متفشية في الشرق أكثر من أي مكان آخر!!) وحينما تبدأ في مناقشة التفاصيل مع محدثك, تجد مئات الأمثلة تطرح من خلال الحديث, خاصة إذا كان من يحدثك شخصاً كثير الأسفار متعدد العلاقات ومن الذين نستطيع أن نسميهم: العالمين ببواطن الأمور. لماذا نتهم الشرق أو الإنسان الشرقي تحديداً بهذه التهمة؟ هل هي تهمة أم آفة أم سلوك إنساني يرتبط بالحالة السياسية والاقتصادية, ودون أن نبالغ نستطيع التأكيد على تأثير البعد التاريخي في انتشار هذه الآفة؟ وأعني بالبعد التاريخي ذلك التراكم عبر الزمن لنوعية المؤسسات الإدارية ونوعية القوانين التي تحكم هذه المؤسسات, والعقلية أو الذهنية التي تدير هذه المؤسسات. أعتقد جازمة بأن قصص وقضايا الفساد المتعلقة باستغلال المنصب أو الوظيفة والتي نطالعها من خلال الصحف أو بقية وسائل الإعلام تأتي في جانب كبير منها من دول الشرق العربي وغير العربي, حيث لا يكاد يمر أسبوع دون أن نسمع عن انتحار مسئول أو اعتذار آخر أو إقالة وزير أو رئيس بسبب استغلاله لمنصبه بشكل يؤدي به للإثراء ويقود المجتمع نحو مزيد من التخلف والتأزم. وحتى على المستوى المحلي, نلحظ وجود حكايات يومية عن استغلال الوظيفة, لعل آخرها ما فجرتها الصحف الأسبوع الماضي عن حكاية القبض على مدير مكتب وزارة العمل في مدينة زايد بسبب استغلاله لمنصبه في المتاجرة بالتأشيرات وهي التجارة الأبشع والأخطر على المجتمع. وبالتأكيد فهي حكاية ربما تبدو صغيرة قياساً بحكايات أخرى ربما لم تكشف حتى الآن لأسباب عديدة. لن نستفيض في شرح جوانب الفساد الإداري فيما يتعلق باستغلال الوظيفة أو المنصب لأنها معروفة ومعلومة للجميع, وكثير من الموظفين البسطاء أو الجمهور على استعداد لأن يقصوا علينا آلاف القصص حول ما علموه عن هذه الظاهرة وما شاهدوه وما تعرضوا له من مساومات وضغوط يمارسها صاحب المنصب من أجل تمرير معاملات أو خدمات معينة مقابل (أتعاب) مادية يسميها هو (أتعاب) ويسميها القانون بصراحة رشوة!! لكن المهم في القضية هو ما الذي يؤدي إلى تفشي وانتشار هذه الظاهرة ومن ثم من الذي يقود إلى التغاضي عنها وترك أصحابها يسرحون في مؤسساتنا بكل فسادهم دون رادع؟ هل لعدم وجود أدلة دامغة قانونية؟ أم أن ذلك عائد لضعف وهشاشة القوانين الرادعة؟ أم ربما كان السبب راجعاً لمنظومة علاقات اجتماعية خارج المؤسسة هي التي جاءت بهؤلاء إلى وظائفهم ومن ثم تستمر في حمايتهم حتى النهاية إلى الدرجة التي تعطل بها قوانين وعقوبات جنائية أحياناً بسبب نفوذها أو تغلغلها في مؤسسات كثيرة. (استغلال الوظيفة) عنوان سيىء جداً لظاهرة تنخر في جسد المجتمع وتعمل على تدهوره والمساس بحقوق أفراده, وبالتالي ضعف المصداقية بأداء النظام السياسي في المجتمع, وعليه فإن كشف الفساد والتحقيق العلني مع المتورطين في قضايا استغلال المنصب قد يقود إلى نتائج في صالح المجتمع ومسيرته وحياة أفراده.