اذا كان الحنين يقود المرء الى المكان الذي احبه ذات يوم, فإن الاسى يقوده الى مغادرة المكان والألم يعتصر قلبه لفرط ما رآه من دمار أَلَمّ بجوانبه! هذا الصباح كانت سحب الضباب تلف المدينة بثوب من الشفافية والحزن, وكانت حلب قد نفضت النعاس عن جفنيها تواً وبدأت حركة الشارع الخجولة تزداد جرأة حتى تحولت الشوارع الى خلية نحل لن تهدأ حتى ساعة متأخرة من الليل, وكانت المدينة التي تركتها ناعمة هادئة قبل عشر سنوات قد أوغلت في الاتساع والازدحام حتى أصبحت كأنها تضيق بهوائها وبمطارحها, فلم يعد هناك متسع للتذكر والتصالح مع الماضي لأنه قد ركب قطاراً الى جهة مجهولة ولم يترك لك عنواناً لتراسله او لتطمئن على أحواله, ذلك الماضي الذي عمره بعمر طفل في العاشرة غادر بسرعة وقسوة ولم ينظر الى الخلف ولم يرحم حنينك اليه, لذلك لم تجده ولن تراه الا كبقايا عالقة في ذاكرة مثقوبة تتساقط منها الأيام والسنوات.. فتموت. سحب الضباب التي رافقتك ذات صباح الى موعدك الغرامي الأول هي الاخرى تنكرت لعواطفك ولم تعد تتذكر من ملامح وجهك سوى تلك الابتسامة الحنونة التي ما فتئت تصغر وتصغر حتى تحولت الى ندم يسيج دورة الزمن فصادرت معها شوقك وأحلامك, كما صادرت ذات يوم احبتك الذين املت فيهم, فلم تر منهم سوى بقايا صمت لأشخاص موتى اجل دفنهم فتحولوا الى اشباح يطردهم المقهى الى رصيف بارد, رصيف يسير عليه آلاف الناس لا هدف لهم سوى القنوع بالهواء والماء وكأنما الحياة وظيفة مملة يمكن الاستقالة منها في اي وقت تشاء! كيف حدث هذا في هذه السنوات القليلة, وكيف تحول سكان المدينة هذا التحول الصعب من اناس يصنعون الحياة الى أناس يستقيلون منها, كيف انفجر المكان واندلقت على جوانبه المحلات التجارية العشوائية مشوهة حدائق البيوت, مصادرة ذاكرة الحجر, كيف امتلأت الشوارع بآلاف السيارات التي تطلق رصاصها القاتل في الهواء فتملأ رئات البشر بالرعب والسعال, كيف تحول الحنين الى عذاب وكيف تحولت الذكريات الى ألم.. وكيف وكيف؟ اين اختفى سمار الأمس وندماء الليل, من الذي صادر الحياة وحملها كل هذا الوجع, وأين ذهب حفيف التنانير, صرير الأوراق التي تتكسر تحت الأقدام, نثيث مطر المساء, نعومة الأنامل الحنونة, رائحة بن الجيران, فيروز البيوت في الصباح, وأين هؤلاء الذين واعدتهم قبل عشر سنوات.. وأين وأين..؟ سحب الضباب لن تجيب عن اسئلتك لأنها سحب غريبة جاءت من مكان مجهول وستذهب معك الى مكان مجهول, ولن يجدي نفعاً ان تستعطفها كي ترافقك فقد ملت السفر معك, ولعل كرمها لن يذهب الى ابعد من ترطيب هواء الصباح او الى ترطيب ذاكرتك التي اصابها اليباس, فها هي تتناثر حول جناحي الطائرة وكأنها تبدد الحلم صارخة بجدران روحك: ألاّ تعد.