يحمل سباق الهجن, شيئاً من الماضي, من تاريخ هذه الأرض, بعضاً من روح إنسانها. سر الحب لها يكمن في الحنين إلى الذاكرة. ذاكرة أيام جميلة. كان السباق يعني الفرح, لهذا ارتبطت السباقات بالمواسم والمناسبات. يقام السباق في الاعراس, وفي العيد, يبحثون فيه عن السعادة. يعطيهم الفرجة وفرحة التلاقي والتواصل, كذلك فيه (الناموس) و(الشارة ). فيأتون له من كل مكان, يسألون عن الأعراس ويذهبون لها, وينتظرون العيد, والعيد لا طعم له عندهم من غير سباق الهجن. يقيمونه في مكان بارز خارج المدينة, يختارون الوادي, فهو سيح فسيح, أرضه صلبة مستوية للركض, ويستوعب أعداد الناس وجمالهم مهما كثرت. يصطفون, يجلسون في الشعاب, قرب خطي البداية والنهاية, أو يقفون على هامات عراقيب الرمال يرقبون من بعيد. ويردد صدى الوادي حركة السباق وصوت الفرح. في أحد سباقات العيد حضر (صوغان) وهو بعير ذكرته ألسنة الناس لشهرته في السباقات, صاحبه شاعر وتاجر لؤلؤ معروف من عجمان, هو حسين بن ناصر بن لوتاه. في السباق الكبير الذي أقيم في سيح (الصجعة) لم يراهن الجمهور كثيرا على صوغان, فهناك جمال أقوى وأشهر منه جاءت في هذا اليوم. إنطلق صوغان معهم, وفعل يومها الأعاجيب, شاهده الناس والنوق تتخطاه, كيف انتفض فجأة , وفعل اكثر من الركض , إنه يطير (صوغان حلّق كنه عقاب) كان يتحرك مثل العاصفة يثير الغبار في وجوه منافسيه , (ياما حثاهن خفه اتراب) سحر عيون الناس بصنيعه, ولّد فيهم النشوة فعلت أصواتهم مرددة انه مسحور, لايمكن أن يكون الركض هكذا, إنه بفعل الحرز, فصاحبه فاعل له كتاب. (سبق من الله هوب بكتاب) هكذا رد عليهم راعي صوغان وهو يرفع رأسه بالناموس , ويمد يده يستلم, (الشاره) فرحته كانت شعرا في هذا اليوم, في فعل صوغان, فقال : الزيّن بشّ اوخاطره طاب واصبح معيّد بين عيدين عيّد غناتي سيد لحباب كنه من امهار السلاطين واتباشرت بالسّبق لصحاب أهل المودة والمحبيّن الله ستر والظن ماخاب في السيح خلاّ غادر الديّن صوغان حلّق كنه عقاب سوّى المدى كله ربعتين ياما حثاهن خفه اتراب يعله من المعبود حرزين خلا العدو حاين اومنذاب ومن الحسف يصفج بليدين سبق من الله هوب بكتاب لا والذي سوّى الميازين عند المشايخ ضاع لحساب ماصفّت العشرين هنتين من عقب هذا سدوّا الباب غلّج او حطوّا فيه قفلين حضرت جلسة حوار حول حياة الشاعر وقصة صوغان دارت بين الشاعر حمد خليفة بوشهاب والدكتورة رفيعة غباش. وتبدأ حكاية صوغان من هنا, بعد الانتصار الكبير شاع خبر السبق وقصيدة الغزل, فأصبح الدلاّلة على باب صاحبه, يتسابقون من كل مكان يقدمون عروضهم وجميعهم يحلم أن يحظى بصوغان. لكن الجمل الذي احتل مكانة عزيزة في قلب صاحبه, جعلته يرفض أن يساوم عليه ويبيعه, ورضي بدل ذلك أن يقدمه هدية غالية لاحد الأمراء في دولة قطر. ودّع حسين بن لوتاه جمله كانت لحظة حزينة, ساعة المغادرة هذه ولكنه قرار وكلمة صدرت لايمكن الرجوع عنها. ورحل صوغان إلى بلد جديد, أرض غريبة عليه, ولان تاريخه وافعاله في الفترة الماضية كانت تختلف عن بقية الجمال تصرف أيضا في هذه الحالة وجاء بأمر لا يخطر على بال. إن الجمل في حالات قد يعشق مثل الإنسان, قد يحمل وفاء ً لراعيه وقد يكون عشقه أكبر, وولهه أشد. لهذا تصرف بغضب وطيش, ترك حظيرة الأمير, قطّع قيوده, فر هاربا. لا يعرف إلى أين لكنه شم رائحة الطريق نحو أرضه وصاحبه وما أطول المسافة بين قطر وعجمان. ركض بسرعة جنونية مثلما يفعل في السبق, يطير, ولايرى إلا خط النهاية (في هذه الرحلة يبحث عن صاحبه) لا يريد غيره. تابع الركض ( تعب) لكنه لم يستسلم, استمر يلهث ويرغي ويتابع خطواته السريعة. وقف أمامه البحر. ما أثقل السير في الماء على الجمل لكنه لم يخف. قرر أن يخوضه, دخل, وضع خفه العريض بدأ يتحرك في الماء الثقيل , جسمه الطويل لم يحمه من البحر وصل إلى أعلى رجليه, إلى بدنه, إلى سنامه. ظلت رقبته واقفة, أخذ يتحرك, يقاوم, كان يحلم بأرضه, يحن إلى صاحبه. لكن البحر كان اكبر من الحلم, من المقاومة, كان اليم يسحب رقبته الطويلة إلى الأسفل, وصل الماء إلى جوفه, أخذه الغرق ومات في القاع. غاص في الماء وحيدا, بعيدا عن عيون الناس, عن صاحبه, عن حلبة السباق. دفن معه شقاء رحلته الأخيرة, وعشقا مجنونا سكن قلبه.. قلب الجمل صوغان.