تكثر التساؤلات عن سياسة الادارة الجديدة الخارجية, وكما هو الحال مع كل ادارة جديدة تكثر الاختلافات بين الذين يقولون بأن السياسة الامريكية تقوم على ثوابت لا تتغير بتغير الشخصيات والاحزاب, وبين الذين يؤكدون بأنه مع الادارة الجديدة سياسات جديدة متأثرة بالشخصيات الجديدة. وبين هذا او ذاك قد تقع حقيقة السياسة الامريكية الجديدة. اولا علينا ان ننطلق من وجود عدد من الثوابت في السياسة الامريكية تجاه جملة من القضايا. والثابت اساسا مرتبط بالماضي ولا يشترط انه مرتبط بالمستقبل. بمعنى آخر الثابت في السياسة الامريكية تجاه السياسة الخارجية بكل ابعادها هو بالتحديد ما ترثه الادارة الامريكية من قضايا وسياسات ومواقف والتزامات واتفاقات وترتيبات وتوجهات من الادارة التي سبقتها. هذا هو الثابت, والكثير منه يستمر مع كل ادارة جديدة. اما المتحول فهو كل ما تقرر الادارة الجديدة انه يستحق تغيرا ويستحق اعادة نظر ومراجعة. التغير اذن مع الادارة الجديدة ممكن كما ان الثبات ممكن وكل ذلك مرتبط بالاحداث والقضايا والشخصيات الرئيسية التي تسيطر على مفاتيح البيت الابيض وساساته الخارجية. ومن الواضح الآن انه على الادارة الجديدة في الشهور الاولى اساسا مهام جسيمة من اهمها تثبيت نفسها والانتهاء من التعينيات الجديدة والبدء في التركيز على الاوضاع الداخلية. بمعنى آخر ان الرئيس الجديد لن يكون لديه الوقت او الاهتمام للتصدي للكثير من القضايا الدولية في المرحلة الاولى الا اذا فرضت هذه القضايا نفسها عليه وعلى فريقه. بل ان جورج بوش الابن سوف يركز بداية على قضايا الضرائب وتخفيفها اضافة للاصلاح التعليمي وغيره من الاصلاحات الداخلية, التي من المتوقع ان تلعب الاصلاحات الداخلية دورها في اعطاء دفعة للاقتصاد الامريكي. الوضع الداخلي وعلاقته بالكونجرس الامريكي والتشريعات الجديدة الخاصة بالضرائب والتعليم والضمان الاجتماعي سوف يكون اذن الهم الاول والرئيسي في المرحلة الاولى. ولكن الوضع الدولي على درجة كبيرة من الاهمية, ودور الولايات المتحدة العالمي على قدر كبير من الحساسية. وهذا ما سيركز عليه بوش في المرحلة الثانية. بل لهذا نجد ان طبيعة الفريق المحيط ببوش من مدرسة مجربة في صنع السياسة الخارجية والتعامل مع الاوضاع الدولية, وهم سوف يسعون لاعطاء دور اكثر مصداقية وقوة للولايات المتحدة في الاطار الدولي. وسوف يكون جل التركيز على التعامل مع الدول الاخرى وفق منطق يميل الى بناء التحالفات والعمل على بناء مصالح متبادلة تسمح باستخدام عناصر التفوق الامريكية لصالح تحقيق مكاسب سياسية. وفي هذا (اي مجال الفعالية والتأثير) من المتوقع ان تختلف الادارة الجديدة عن ادارة الرئيس كلينتون. وفي الادارة الجديدة الكثير من التوازنات الواضحة. فبينما سيحظى نائب الرئيس الجديد ديك تشيني بقوة ونفوذ كبير في الادارة الامريكية, سوف تزداد التوقعات بأن صوت باول وزير الخارجية ضمن فريق الرئيس بوش سوف يكون ذلك الصوت الهادىء الذي يلعب دور المهدىء والكابح للتسرع. اما صوت رامز فيلد وزير الدفاع الجديد فقد يكون اكثر حدة وهجومية واستعدادا للتحرك في اطار تركيزه على شبكة صواريخ دفاعية تتجاوز الكثير من الاتفاقات العسكرية الخاصة بتخفيف التسلح الصاروخي في زمن الاتحاد السوفييتي. ومن جهة اخرى تقوم توجهات كونديليسا رايس المسئولة عن الامن القويم الامريكي في البيت الابيض على اهمية الصين وروسيا في السياسة الامريكية. المنطلق بالنسبة لرايس هو في تحقيق تفاهم وميزان محدد مع روسيا والصين, وذلك لانه يؤدي الى تفاهم على الكثير من القضايا الخلافية في العالم. بل ان التركيز مع الصين سوف يكون على مزيد من الانفتاح والتجارة, مع التمسك بموقف قوي مع تايوان في حالة تحدي الصين لاستقلالها, اما مع روسيا فالتفاهم حول الاقتصاد والتسلح والعلاقة مع الدول المحيطة بروسيا والبلقان والشرق سيكون اساسيا. ومهما سعت الادارة الجديدة لتفادي الشرق الاوسط في العام الاول الا ان مشكلات الشرق على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي والانتفاضة الفلسطينية ام على صعيد الوضع العراقي وقضية العقوبات سوف تكون قضايا ستفرض نفسها على الاجندة الامريكية. وبينما ذكر باول في اول تصريح له انه ينوي بث الروح في نظام العقوبات المفروض على العراق, فقد تمنت له اولبرايت في مقابلة لها الاثنين كل التوفيق في مهمته غامزة من زاوية صعوبة الامر وصعوبة تطبيقه. من جهة اخرى ان الاوضاع الفلسطينية المتفجرة والانتخابات الاسرائيلية المقبلة في فبراير سوف تجعل الوضع الفلسطيني الاسرائيلي امرا يصعب تجاهله. في كل ما نرى الآن فريق قيادي جديد فيه الكثير من عناصر القوة والتأثير ــ ولكن الفريق الجديد يواجه عالما متغيرا, وسوف يواجه عالما يضعه في امتحان وراء الآخر ــ لهذا تبقى الاسئلة حول طبيعة الامتحانات الجديدة التي ستواجهها الولايات المتحدة وطبيعة تعامل الولايات المتحدة مع هذه الامتحانات. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت