كل فقرة تدحض ما قبلها. وإذا كان مثل هذا لا يمكن الا ان يسمى نفاقا او تدليسا فإن بوسع الرئيس الامريكي كلينتون ان يضيف الى براعته في ممارسة الرذيلة داخل المكتب البيضاوي وأثناء ساعات دوامه الرسمية موهبة التدليس في صياغة الوثائق الرسمية. في سياق حديثه عن مستقبل اللاجئين الفلسطينيين تقول فقرة انه يجب ان يحصل كل اللاجئين على تعويضات. لكن المطالبة بالتعويض, كما تقول الفقرة اللاحقة, ليست موجهة الى الاسرائيليين الذين يتحملون المسئولية كلها تاريخيا وقانونيا عن تشريد 3.5 ملايين فلسطيني من ارضهم, وانما هي موجهة الى (المجتمع الدولي) وكأن المجتمع الدولي هو الذي طرد الفلسطينيين من فلسطين التاريخية عام 1948. في هذا الجزء من سياق ورقة المقترحات التي وضعها الرئيس الامريكي لما يتصوره تسوية نهاية للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي تظهر صورة كلينتون كمحام عن اسرائيل اوضح ما تكون. ففي معارضته لحق اللاجئين في العودة الى ديارهم المسلوبة يقول كلينتون: (لا يمكن ان ننتظر من اسرائيل ان تتخذ قرارا يهدد اساس الدولة الاسرائيلية ذاته). والعبارة اللفظية التي تحاشاها كلينتون واستخدم عوضا عنها تعبير (اساس الدولة الاسرائيلية) هي عبارة (اليهودية).. اي (يهودية الدولة الاسرائيلية) او (الهوية اليهودية) لها.. فالرئيس حرص على الالتفاف حول السؤال الازلي الذي يحوم حول اسرائيل منذ قيامها وحتى اليوم: هل هي دولة ديمقراطية مفتوحة بالمفهوم الغربي ام هي دولة عنصرية للعرقية اليهودية فقط؟ وتنتقل ورقة كلينتون الى المسألة الامنية. وحديثه عن الامن من اوله لآخره محصور في اعتبارات امن اسرائيل وحدها. وتكفي العبارة الاستهلالية.. فهو يقول فيها (لن يكون هناك سلام او اتفاق سلام الا اذا حصل الشعب الاسرائيلي على ضمانات امنية كاملة). وفي هذا الصدد يطرح كلينتون ثلاثة اقتراحات.. او بعبارة ادق يتبنى في الحقيقة ثلاثة شروط اسرائيلية هي: 1) وجود عسكري لقوات دولية على ارض الدولة الفلسطينية المستقبلية من الشمال الى الجنوب بطول وادي الاردن لفترة تمتد الى سنين قابلة للتجديد. 2) وبما ان الهدف الواضح من هذا الترتيب هو وجود عازل بين فلسطين والاردن, فإنه يصح ان نفترض دون مبالغة, اولا, ان (القوات الدولية) ستكون في الحقيقة قوات امريكية او قوات اجنبية خاضعة بطريقة مباشرة او غير مباشرة للسيطرة الامريكية.. وثانيا, ان هذا الوجود العسكري الغريب سوف يكون مستديما الى الابد. 2) ان تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح.. اي ان تكون مدجنة وعاجزة تماما في مواجهة الجبروت العسكري الاسرائيلي. 3) ان تكون هناك (ترتيبات اخرى) لضمان قدرة اسرائيل على (الدفاع عن نفسها) ورغم ان الرئيس كلينتون لم يشرح هذه الترتيبات فإن من السهل ان نتصور انها تشتمل على حاميات عسكرية اسرائيلية داخل اراضي الدولة الفلسطينية تكون على الدوام مستعدة لمحاصرة المدن الفلسطينية في حالة فوران الشارع الفلسطيني.. كما يجري حاليا.. وبالتالي قمع اي تحرك فلسطيني شعبي على الفور. ولو اوجز كلينتون القول لقال اولا ان ما يقترحه هو صورة محسنة شكليا للاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية, وثانيا ان المطلوب اسرائيليا وامريكيا هو ان تكون (الدولة الفلسطينية) المستقبلية مجرد اسم بلا مضمون.. ان تكون في الحقيقة مجرد ولاية اقليمية تابعة للسيادة الاسرائيلية. وبنفس هذا التصور الانحيازي الفاضح تتحدث ورقة كلينتون عن مستقبل القدس.