من يحاول أن يدعي أن الإعلام في الدول الغربية (الديمقراطية) إعلام حر لا قيود عليه, ولا يتحدث سوى الحقيقة, إما انه مخادع أو مخدوع, مخادع لأنه يعرف الحقيقة لكنه يحاول أن يخدع الآخرين بقلب موازين الأمور ووزنها، بموازين عدة, والادعاء إن ما يقوله هي الحقيقة, وان بنشره لتلك الحقيقة لا يبتغي من وراء ذلك سوى أداء واجبه باعتباره جزءا من رد الجميل للنظام الذي منحه تلك الحرية, أو انه مخدوع لا يعرف الحقيقة وينشر ما يعتقد أنها الحقيقة, أيضا أداء لواجبه ورد الجميل لمن منحوه الحرية التي يتمتع بها, وكلاهما مجافاة للواقع. من يتابع الإعلام في الدول ذات النظام الديمقراطي يعرف تماما انه لا حرية مطلقة لأحد في أي مكان في ظل تلك الديمقراطية, وأن النظام الديمقراطي مثله مثل أي طريقة للحكم له إيجابيات وسلبيات, وأن الديمقراطية كما قال تشرشل- تتميز بأنها النظام الأقل سوءا بين أنظمة الحكم جميعا, لأن هناك مصالح خاصة تحكم وسائل الإعلام في أي نظام, فإذا كانت مصالح الحكام في الأنظمة الدكتاتورية تحكم إعلامها, فإن المصالح التي تحكم الإعلام في الدول الديمقراطية متعددة, وبالتالي تكون المصالح متغيرة, من أول مصالح أصحاب رأس المال, إلى مصالح القائمين على إدارة ذلك الإعلام, وحتى مصالح العاملين في هذا الحقل. من هنا تختلف الحقائق التي ينشرها الإعلام (الحر) في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية حسب التوجه الذي تتخذه كل وسيلة إعلامية داخليا أو خارجيا, وترتبط تلك الحقائق بدرجة تبعيتها وارتباطها بمصالح داخلية أو خارجية, من هنا يبدو طبيعيا أن تبرز فجأة ودون مقدمات معلومات تنشرها وسائل الإعلام في الدول الديمقراطية بالتأييد أو بالهجوم على مؤسسة أو دولة, أو حتى شخص معين, تحت غطاء أنها فقط تؤدي واجبها نحو قضية من القضايا, وترفع عليها شعار حرية التعبير كسحابة دخان تحاول من خلالها إبعاد الأنظار عن الهدف الحقيقي الذي ترمي إليه من نشر ما تسميه حقائق. لكن تتميز وسائل الإعلام الديمقراطية بأن ما تنشره يعتمد على حقائق لا خلاف عليها, أي تعتمد على حقائق لا يمكن نفيها, ولكن الخلاف يمكن ان يكون على طريقة معالجة تلك الحقائق إعلاميا, وكيفية عرضها, أو توقيت نشرها. من تلك الحقائق الواقع الاجتماعي والاقتصادي المؤلم الذي تعيشه دولة مثل فنزويلا, دولة تعتبر الثالثة في حجم إنتاج خام البترول في العالم, ورابع دولة مصدرة للذهب الأسود, ومع ذلك فإن أكثر من 60 في المائة من شعبها يعيش تحت حد الفقر المقرر دوليا, هذه حقيقة لا يستطيع أن ينفيها أحد, وحقيقة قائمة يمكن لأي وسيلة إعلامية أن تتعامل معها كموضوع آني يبدو جذابا إعلاميا, ويمكن التسابق عليه بين وسائل إعلام عدة, لأنه يبرز تناقضا حادا بين ما هو نظري وما هو واقع. نظريا مجتمع مثل المجتمع الفنزويلي من المفترض أنه يمتلك ثروة طبيعية تدر عليه دخلا يجعله يعيش على درجة عالية من الرفاهية, أو على أقل تقدير يمكن من خلال ترشيد دخل البترول تلبية الاحتياجات الأساسية من صحة وتعليم وبنية أساسية, لكن الواقع يؤكد عكس ذلك, حيث نرى شعبا أكثر من نصف سكانه من العراة, وأطفاله يهيمون على وجوههم بين أكوام القمامة بحثا عن بقايا لقيمات لسد الرمق, ويدفع التضخم الرهيب بمعظم المهنيين المؤهلين فيه كالأطباء والمهندسين والمعلمين إلى السكن في بيوت من الصفيح والزنك, لأن دخلهم لا يكفي لسد الاحتياجات الأساسية. هذا التناقض الشاذ الذي لا يمكن إنكاره, يجعل فنزويلا وواقع شعبها موضوعا إعلاميا جذابا عند كثير من وسائل الإعلام في الدول الديمقراطية الغربية, التي تتسابق على موضوعات تضمن لها جماهيرية مستمرة, وبشكل خاص الإعلام الإسباني الذي يتحدث باللغة نفسها التي يتحدثها الشعب الفنزويلي, ومعظمها يدخل إلى فنزويلا, أي أن المجتمع الفنزويلي نفسه يمثل جزءا من الجماهير التي يحاول الإعلام الإسباني اجتذابها. لكن توقيت التعامل مع هذه القضية وطريقة عرضها ليبدو فيها الرئيس الفنزويلي الحالي (هوجو تشابث) هو المسئول عن هذا الوضع يدفع إلى الشك في الدوافع الحقيقية وراء نشر تلك الحقائق, ولي عنقها ليكون مسئولا عنها رئيس لم يمض على توليه الرئاسة أكثر من عامين, قضى معظمهما في مواجهة سياسية داخلية مع المسئولين الحقيقيين عن هذا الواقع المأساوي في الحزبين الرئيسيين اللذين تناوبا حكم البلاد طوال اكثر من أربعين عاما, وخلال فترة حكمهما تم إهدار دخل البترول بتحويله إلى حسابات خاصة في الخارج, وتسببهما في نشر الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يعيق أي خطوة إصلاحية تتوجه نحو استخدام دخل هذا البترول من اجل صالح الشعب الفنزويلي. من أول وهلة يبدو أن نشر حقيقة الوضع الاجتماعي والاقتصادي في فنزويلا يهدف إلى اتهام الرئيس الحالي والسياسيين المحيطين به, وتكوين رأي عام مضاد يمكن أن ينتهي في النهاية إلى إثارة البلبلة بين سكان فنزويلا, الذين يعانون غضب الطبيعة من عواصف وسيول ورياح تقضي على ما أبقت لهم عليه عواصف السياسة. تناول الوضع في فنزويلا من جانب وسائل الإعلام (الغربية) بهذه الطريقة باعتباره يدخل في إطار ممارستها لحرية التعبير التي تكفلها لها الممارسة الديمقراطية مسألة مثيرة للشك, الشك في الهدف من وراء تلك الحملة التي بدأت على شكل تغطيات صحفية مكتوبة, وانتقلت إلى الشاشة الصغيرة على شكل تحليلات مصحوبة بالصورة والصوت المناسبان للكشف عن الهدف من وراء التعامل مع هذه المادة. الشك يدفع إلى البحث عن أصحاب المصلحة وراء محاولة لي عنق الحقائق لتحميل نظام الرئيس هوجو تشابث المسئولية عن وضع حاول هو شخصيا الثورة عليه, فكان انقلابه العسكري الفاشل ضد الرئيس السابق, والذي انتهى به إلى السجن, ليخرج منه ويقرر مواصلة ثورته على النظام الحزبي القديم باستخدام الوسيلة الوحيدة التي أتاحوها له, وهي الديمقراطية, ودخوله الانتخابات رافعا راية (مكافحة الفساد القائم) ليحصل على أعلى نسبة من أصوات الناخبين, ولتفقد الأحزاب القديمة معظم مقاعدها البرلمانية, من هنا يمكن القول إن رموز النظام الحزبي القديم والشركات العالمية ذات المصالح المرتبطة مع تلك الرموز لها مصلحة في تشويه الرئيس هوجو تشابث, أن يتوجه شكنا نحو هؤلاء يبدو طبيعيا. لكن حتى يمكن أن يتأكد شكنا في أن وسائل الإعلام الغربية تحاول تشويه الرئيس هوجو تشابث لصالح رموز النظام الحزبي القديم والشركات العالمية التي فقدت امتيازاتها في فنزويلا, علينا أن نتساءل حول توقيت هذه الحملة الإعلامية , في هذه الحالة يتجه الشك إلى وجود أهداف أخرى وراء هذه الحملة, لأن حملات النظام القديم ضد هوجوتشابث واتباعه لم تتوقف داخليا منذ أن صعد إلى كرسي الرئاسة, وكان لها صداها خارجيا, لكن الصدى الخارجي توقف بعد فترة وجيزة, حين تأكد أن الكولونيل السابق هوجو تشابث حقق عبر استخدام الديمقراطية ما فشل في تحقيقه بالانقلاب العسكري, ولم يعد هناك مجال للعودة عنه, خاصة أن شعبيته كانت كاسحة, ربما ليس حبا في هوجو تشابث بقدر ما هو تشفيا في الساسة القدامى. لذلك البحث عن أصحاب المصالح الأخرى الذين يمكن أن تكون لهم يد في إعادة الكرة ضد الرئيس هوجو تشابث لتشويه صورته خارجيا وداخليا مسألة لا تكتنفها صعوبة على الإطلاق, إذا يكفي العودة إلى الوراء لأشهر قليلة فقط حتى يمكن أن نجد الإجابة واضحة وضوح الشمس, دول أوروبا الغربية بكاملها والولايات المتحدة الأمريكية, التي تعتبر الدول الرئيسية المستهلكة للبترول, لها مصلحة أكيدة في تشويه صورة الرئيس الفنزويلي, خاصة أن التخطيط لحملة التشويه المعادية لها بدأت بانعقاد قمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) في كاراكاس. نتائج تلك القمة كانت لصالح الدول المصدرة للبترول, وبالتالي كانت ضد مصالح الدول المستهلكة, حملة التشويه جاءت ردا على فشل الضغوط التي مارستها دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة على الرئيس الفنزويلي للعمل على تخفيض أسعار البترول حتى لا تتأثر اقتصاديات تلك الدول, دون النظر إلى أن دولا مصدرة مثل فنزويلا لها مصلحة مباشرة في وضع أسعار مناسبة تساعدها على مواجهة الأزمات الاقتصادية التي تواجهها بسبب ديونها لتلك الدول الثرية. بل جاءت تلك الضغوط بعكس ما كانت ترمي إليه, لأن الرئيس هوجو تشابث كان أكثر المتحمسين لخفض حجم الإنتاج والتصدير لإجبار الأسواق على إعادة وضع أسعار البترول في حد أعلى مما كانت عليه, وهو ما يعتبر طبيعيا من وجهة نظره ونظر معظم المشاركين في القمة, لأن البترول ثروة طبيعية تملكها شعوب لها الحق في الحفاظ عليها, والاستفادة منها في تمويل رفاهيتها, بل والدفاع عن تلك الرفاهية, تماما كما تدافع أوروبا الغربية والولايات المتحدة عن رفاهية شعوبها بمحاولاتها خفض أسعار خام البترول. نجاح قمة أوبك في كاراكاس في الحفاظ على سعر البترول عاليا لم يكن كل شئ لتخطط أوروبا الغربية والولايات المتحدة لحملة تشويه ضد رئيس فنزويلا, بل جاء انتخاب وزير بترول فنزويلا السابق (علي رودريجيث) كأمين عام لمنظمة الأوبك دليلا على استمرار سياسة (الأسعار المرتفعة) لخام البترول, وهو ما يعني اتفاق الدول الأعضاء في الأوبك الاستمرار في ممارسة سياسة كان الرئيس هوجو تشابث أحد أشد المتحمسين لها. الإعلام الغربي قد يرفع شعارات (الحرية), من حرية الكلام والنشر والتعبير إلى حرية إنشاء القنوات التليفزيونية, أو إصدار الصحف, لكنه لا يستطيع أن يدعي أنه يتمتع دائما بتلك الحرية, لأنه يظل أسيرا لمصالح من يقفون من ورائه, ولا مهرب له من ذلك, لذلك كثيرا ما يسقط في حملات تشويه ضد آخرين, مما يؤكد أن الديمقراطية لا تزال مثلها مثل أي نظام سياسي آخر له سلبياته وإيجابياته, وان كان اقل الأنظمة سوءا كما قال تشرشل. كاتب مصري مقيم في أسبانيا