خلال أزمة اسماك سوق ابوظبي التي انتهت بعودة العمال المضربين الى العمل دون ان تتحقق مطالبهم, آمنتُ بأن المثل القائل (رب ضارة نافعة) مثل صحيح فعلا. فبقدر ما تداول المجتمع الحديث والنقاش الحاد حول الازمة باعتبارها مؤشرا خطيرا لمدى نفوذ العمالة الآسيوية في المجتمع, وبضرورة اتخاذ الحكومة تدابير عاجلة وصارمة لاعادة الأمور الى نصابها, بقدر هذا الحوار المجتمعي, كان هناك تحرك سريع يتم في دهاليز السلطات المختلفة للتصدي لعاصفة ليست في صالح المجتمع ان تهب من الاساس ولا أن تتمادى في انتشارها, لانها لن تخلف سوى المخاطر والدمار. لقد كسب المجتمع معركته في هذه الازمة, فقد تكاتف الاعلام بشكل قوي جدا متبنيا القضية حتى النهاية مع جمعية صيادي ابوظبي, وهذه نسقت بشكل جيد وذكي جدا مع البلدية ووزارة الزراعة والثروة السمكية, ومن ثم تقاطعت جهود هذه الجهات مع اهتمامات وأدوار وزارة العمل والجنسية والاقامة في خضم الازمة, فبرزت مسئوليات الجميع, وتناول الصيادون والمهتمون باشكالية التركيبة السكانية وسوق الحرف والمهن الوطنية, القضية من جميع أوجهها, وصاروا يفككونها باهتمام ووعي محملين كل جهة دورها ومسئوليتها ومدى نجاحها واخفاقها وبالتالي مساهمتها في الازمة التي انفجرت في سوق اسماك ابوظبي. وبرغم جهود كل الجهات, الا ان دور الصحافة تحديدا في الازمة كان لافتا ومؤثرا, فقد استطاعت الصحافة ان تستثير الجميع, وان تفتح حوارا صريحا ومباشرا مع كل الجهات ذات العلاقة, وبالفعل فقد نجحت الصحافة في كسب ارضية كبيرة في هذه الازمة بقدر ما نجحت جمعية الصيادين وبلدية ابوظبي ممثلة في شخص الشيخ محمد بن بطي آل حامد رئيس البلدية. لقد واجهت الصحافة اطراف الازمة وجها لوجه, وكشفت خطورتها على امن المجتمع وسيادته ومصير حرفه الوطنية وقوت ابنائه, كما قدمت العديد من المقترحات والحلول التي استلهمتها من اهل الشأن من الصيادين واهل الاختصاص. ثم جاء دور الجمعية لتقف بثبات في موقفها الرافض لمحاولات الآسيويين الضاغطة باتجاه ترك الامور متسيبة كما كانت من حيث الاسعار ومستوى النظافة ونفوذ الآسيوي وتحكمه بآليات البيع والشراء, ولقد نجحت الجمعية فاستحقت ثقة السلطات المختصة في ابوظبي وثقة الصياد المواطن وكذلك افراد المجتمع. بلدية ابوظبي ساهمت في التصدي للازمة باغلاق كافة محال بيع الاسماك خارج الاسواق التابعة لجمعية صيادي ابوظبي وقصرت البيع على المحلات التابعة لاشراف الجمعية تعزيزا لدورها وتقوية لموقفها وتقليصها لسيطرة العمالة الآسيوية على عملية بيع وتداول الاسماك, وهو موقف وطني مطلوب وجاء في وقته بالفعل. وصحيح ان وزارة العمل لم تتخذ اجراءات معينة ضد العمال الآسيويين المضربين, لكن ذلك كان بسبب عدم ابلاغ الصيادين المواطنين الوزارة بذلك للتحقيق, والمعروف ان الوزارة تتخذ اجراءات صارمة ضد العامل المضرب دون سبب قانوني مستهدفا باضرابه الضغط على صاحب العمل اما لاحداث تغيير في مجريات سوق العمل لصالحه أو للظهور بمظهر القوة الضاغطة, وأعتقد ان هذه الاجراءات الحازمة هي التي قادت لانهاء الازمة بهدوء وعودة الصيادين للعمل دون تحقيق مطالبهم غير المشروعة.