تختلط أحاديث العلم بالخرافة وبالنبوءات الدينية عندما يتعلق الأمر بالشغف لمعرفة ما يخبئه المستقبل للبشرية, ويميل الإنسان غالبا لتصديق كل ما يقال له حول مستقبله المجهول, حتى لو صدر عن دجال أو قارئة فنجان أو ضاربة رمل. ويفسر اقبال القراء على مطالعة أبواب الحظ في الصحف, واقتناء كتيبات الأبراج, بكل ما فيها من شعوذات, عمق الرغبة الفطرية في كشف حجب المستقبل ومعرفة ما ستأتي به رياح أيام لم تطلع لها شمس بعد. وعلى أجنحة هذه الرغبة ظهرت علوم المستقبليات وكتب ترسم سيناريوهات الأعوام المقبلة, وهي تدعي ــ بالمخالفة لروح المنهج العلمي ــ اليقين, برغم ان حقائق العلوم ذاتها نسبية وقابلة للدحض والتغيير وتدخل حيز التقاعد عندما تظهر حقائق جديدة, وهذا سر التطور المتلاحق للثورة العلمية. على ان ما يهمنا في هذا الايجاز ان نقرأ ما أصدرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تقريرها حول صورة العالم عام 2015, والذي توقعت فيه استمرار حالة النظام الدولي الذي تحتكر الولايات المتحدة قيادته, وبقاء دول عالمنا (النامي) أو الثالث أو (المتخلف) كما تصفه على وضعه الراهن, دون تغيير في أساليب إدارة المجتمع والدولة. وأخطر ما في هذا التقرير هو استهدافه خلق أجواء عدم ثقة واشاعة اليأس في نفوس أبناء شعبنا, كخطوة أساسية تدفعهم إلى التسليم مسبقا بأحقية قيادة واشنطن لهم, والتسليم لها بحقها في رسم حياتهم كما تشاء, والمصادرة على كل أمل في انطلاقة جديدة ممكنة ومحتملة لمشروع نهضة عربية جديدة, تؤسس مجتمعا عربيا يتبنى التحديث والنهضة على أسس تحفظ له هويته وكيانه وتمكنه من أداء رسالته الحضارية, في اطارها العربي والإسلامي. صحيح ان تقرير الـ (سي. آي. ايه) يرصد العديد من الأخطاء التي تملأ حياتنا, لكنه يتغافل عمدا مسئولية العالم الأول كأحد العوامل الأساسية في افشال وضرب كل مشاريع النهوض العربي طيلة القرون الماضية, عبر استنزاف قدراتنا, وزراعة إسرائيل ككيان هجين عنصري يشعل الحروب ويهدر الثروات ويغتصب الحقوق. ويورد التقرير الأمريكي المخابراتي لاستشراق صورة العالم عام 2015 صورة كاريكاتورية للمجتمع الأمريكي والأوروبي مقارنة بعالمنا الثالث حيث تميل الكفة الأمريكية الأوروبية لصالح العجائز والمسنين وتقل نسبة الشباب القادرين على العمل, ولانها مجتمعات الوفرة المادية, التي تغيب البعد الإنساني والأخلاقي والديني من معادلة التنمية, ستواجه مشكلة حسب تقريرها, فهؤلاء المسنون سيتقاضون رواتب تقاعد دون عمل, ويحملون خزانة الدولة عبئا, وبالتالي سيضطرون لرفع سن التقاعد, غير مبالين بمدى قدرة المسن على العطاء. ويكشف التقرير زيف (العولمة) التي تأخذ من الآخر ولا تعطيه, أو تعطيه بقدر محدود, فرغم اصرار أمريكا وأوروبا على تخطي الحدود وحقها في التدخل عسكريا واقتصاديا, وفتح أسواقنا لمنتجاتها, فإنها تضع القيود على تدفق التكنولوجيا لنا أو العمالة إليها, إلا إذا كان يصب في مصلحتها. عموما, أيا ما كانت صورة العالم عام 2015 فإنها لن تكون أبدا كما يهوى دهاقنة الـ (سي. آي. ايه).