لا أظن أن مسلسلا قد أثار نقاشا خلافيا حوله مثل مسلسل (أوان الورد) الذي كتبه وحيد حامد وأخرجه سمير سيف. صحيح أن (ليالي الحلمية) رائعة أسامة أنور عكاشة أثارت خلافا سياسيا كبيرا بين أنصار عبدالناصر، الذين تعاطفوا مع النزوع الناصري لليالي الحلمية وأنصار السادات الذين رأوا أن الليالي لم تنصف السادات. ولكن هذا الخلاف لم يشغل من الأذهان ولا من صفحات الجرائد والمجلات ما شغله الخلاف حول مسلسل (أوان الورد). لقد تعددت صور الخلاف واتخذت أوجها متعددة. هناك الوجه الفني بين الذين أعجبتهم القصة في المسلسل والذين تعجبهم معالجة وحيد حامد للموضوع. وهناك الوجه الديني بين المختلفين من المسلمين الذين رأوا في الأمر مبالغة, ومن الأقباط الذين احتجوا بشدة على وقائع المسلسل الذي يحكي قصة زواج ضابط مباحث مسلم من فتاة أمها مسيحية تزوجت مسلما, وهو الاحتجاج الذي يتصل بمعتقدات الأقباط الذين يرون في زواج المرأة المسيحية من المسلم نوعا من الزنى. وكان هذا الرأي يواجه رأي المختلفين الذين تحمسوا للمسلسل ورحبوا به, وتقبلوا ما فيه بنوع لافت من التسامح الذي جمع بين الكثيرين من المسلمين والأقباط. ولم يخل الأمر, فوق ذلك, من الاختلاف الاجتماعي, خصوصا بين الذين رأوا في بعض المشاهد نوعا من الخروج على الأخلاق والجرأة على التقاليد الاجتماعية, وذلك في مقابل الذين أعجبتهم هذه الجرأة ورأوا فيها تحريرا لمسلسلات التلفزيون من القيود الكثيرة التي غرق فيها. وقد وصل أمر الاختلاف الى درجة أن بعض المتعصبين من الأقباط رفعوا دعاوى أمام المحاكم لإيقاف المسلسل ومنع عرضه, ولكن لحسن الحظ انتهى المسلسل قبل أن يصيبه حكم قضائي بوقف عرضه, وبعد انتهاء العرض أصدرت إحدى المحاكم المصرية حكما برفض الدعوى المقدمة من بعض الذين أرادوا رفض المسلسل, وذلك بحجة عدم الاختصاص, ولم يتوقف الجدل حول المسلسل الى وقت كتابة هذه السطور, ولا تزال المقالات تكتب حوله. وقد سعدت شخصيا عندما قرأت مقالا يؤيد (أوان الورد) ويقف في صف حرية الإبداع وكان كاتب المقال (الأنبا) كمال قلتة الذي هو أحد رؤوس الكنيسة والذي أعتز بأنه كان زميلي في قسم اللغة العربية, حيث تزاملنا لسنوات أربع, وتخرج معي, وحصل مثلي على درجة الدكتوراه في الأدب, وتشرب مثلي التقاليد الليبرالية التي أرساها طه حسين في طلاب كلية الآداب بجامعة القاهرة بوجه عام, وطلاب قسم اللغة العربية بوجه خاص. وقد كان مقال الأنبا قلتة نموذجا للاستنارة القبطية المصرية, وذلك بالقدر الذي كانت المقالات المضادة دليلا عمليا على وجود نقائض الاستنارة. ولاشك أن الاستجابات المتعارضة لهذا المسلسل قد أظهرت أن هناك تعصبا دينيا وتزمتا فكريا واجتماعيا على الجانبين على السواء. وهذ ا أمر طبيعي في تقديري فالمسلمون والأقباط هما نسيج الأمة المصرية وجناحها, وما ينتشر في فكر أحد الجناحين من سلبيات ينتشر في الجناح الآخر بحكم الجوار وقوة العدوى. ولا فارق في هذا الأمر بين القول بأن التعصب انتقل من الأغلبية الى الأقلية, أو أن تعصب الأقلية كان نوعا من رد الفعل على التعصب الذي وجد في بعض فصائل الأقلية. المهم أن وحيد حامد الذي أثار عاصفة المتزمتين المسلمين في مسلسل (العائلة) قد أثار ثائرة المتعصبين الأقباط في مسلسل (أوان الورد) وكان ذلك للمرة الأولى. خصوصا بعد أن تجرأ التلفزيون المصري على معالجة العلاقة بين المسلمين والأقباط من خلال عمل فني بالغ الوضوح والصراحة. وقد اجتمعت أسرتنا الصغيرة كالعادة بعد انتهاء المسلسل وتناقشنا حوله, وقد بدأت النقاش بأن أثنيت على شجاعة المؤلف واقتحامه منطقة شائكة يسكت عنها الجميع عادة, مؤكدا أنه من الأفضل إنطاق المسكوت عنه من الخطاب الاجتماعي المكبوت ومعالجة المشكلات المتراكمة قبل تفجرها المخيف. ولكن ابنتي اعترضت كالعادة قائلة إن المسلسل عالج القضية الحساسة معالجة ساذجة, وأنه جنح الى المباشرة والخطابية في أحيان كثيرة, وأنه تحول الى مسلسل بوليسي يسعى الى إثارة انتباه الجمهور, فضاعت قضيته الأساسية, ولم يعد للطفل المفقود معنى الرمز الذي يتولى توحيد الجميع بالمعنى الأعمق الذي يتصل بالوحدة الوطنية. وكالعادة, أيضا, اختلف ابني مع ابنتي, مؤكدا إعجابه بشجاعة المؤلف, ومبررا المباشرة والخطابية بأنها ضرورة تعليمية, فالمسلسل يخاطب أغلبية أمية ولا يخاطب صفوة المتعلمين مثل ابنتي الأستاذة الجامعية. وامتدح ابني الإخراج, خصوصا المقدمة التي جمعت من الأفلام الرومانسية ما يؤكد حاجتنا في الزمن الصعب الذي نعيشه الى الحب الخالص بمعانيه الرومانسية. وابتسمت زوجتي لكلام الابن الذي يعيش قصة حب أوشكت أن تنتهي بالزواج, واندفعت تحدثنا عن جمال يسرا وبراعة تمثيلها, وعن نجاح هشام عبدالحميد الذي لم تكن تستلطفه من قبل, وكيف أنها ترى بداية جديدة له في هذا الدور, وأعلنت استحسانها للحوارات الفكرية التي تخللت المسلسل والتي تسعى الى تأكيد المحبة القائمة بالفعل ــ رغم الشوائب ــ بين الأقباط والمسلمين, ومضت تحدثنا عن ذكريات صداقات بالعائلات القبطية, وتشعب النقاش بنا جميعا, ولم ينته بالاتفاق بيننا الى الإعجاب فنيا بمسلسل (أوان الورد) وإن كنا قد اتفقنا على جرأة موضوع المسلسل وحاجتنا الى معالجات في هذا الاتجاه. شريطة أن تكون أنضج فنيا, فتجعلنا نعيش زمان الورد أو أوانه بطريقة أكثر عمقا, وعندئذ, سألتني ابنتي وهل كلمة (أوان) كلمة فصيحة أم عامية, فقلت لها إنها كلمة فصيحة, ففي اللغة العربية يوجد (الآن) و(الأوان) والجمع (اوانه) بمعنى الوقت والحين و(آناء الليل) ساعاته التي أصبحت تشغلها مسلسلات التلفزيونات العربية.