كيف تكون محاميا للدفاع عن موكلك وتكون في الوقت نفسه قاضي المحكمة؟ هذه هي الازدواجية التناقضية التي تبدو لنا ــ لو دققنا النظر ــ من وراء سطور الورقة التي كتبها الرئيس الامريكي بيل كلينتون ، وتحوى خطوطا عريضة لتسوية نهائية للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي من خلال معالجة (قضايا الوضع النهائي). بنود الورقة ــ التي نشر نصها كاملا في وسائل الاعلام الامريكية والاسرائيلية ــ جديرة بالاستعراض التحليلي لا لأنها تنطوي على قيمة جوهرية حقيقية وانما لأنها تعكس الرؤية الامريكية الرسمية الشاملة تجاه ما يجب ان يكون عليه مستقبل الشعب الفلسطيني. (الدولة الفلسطينية) هي اول بند في الورقة. هنا, ومن الوهلة الاولى, يدعو كلينتون الى قيام (دولة فلسطينية). بل ويصف هذه الدولة المستقبلية بأنها (ذات سيادة).. لكن هذا المسار اللفظي سرعان ما يقترن في الورقة بعبارات تلغي معناه تماما. فقيام الدولة الفلسطينية المرتقبة يجب ان يكون رهنا بشروط ثلاثة محددة هي: 1) ان تكون السيادة (قابلة للتطبيق). والمعنى المقصود من هذه الصياغة الغريبة يأتي في جزء من بنود الورقة الرئاسية حيث يرى الرئيس الامريكي ان هذه الدولة يجب ان تكون (منزوعة السلاح..).. اي دولة بلا قوات مسلحة.. دولة مكشوفة امنيا الى الابد حتى تكون في متناول القوة العسكرية الاسرائيلية كلما تراءى لاسرائيل ان تقهرها لسبب او لآخر. 2) ان يوضع في الاعتبار متطلبات الامن الاسرائيلي. اي ان تكون الدولة الفلسطينية خاضعة لمتطلبات الارادة الاسرائيلية من حيث مساحتها وحدودها. 3) ان يوضع في الاعتبار ايضا (الحقائق السكانية) ــ اي المستوطنات اليهودية المقامة على ارض فلسطينية. هذه الشروط الثلاثة هي محور كافة البنود الاخرى التي تشتمل عليها الورقة الامريكية. بل ان الورقة يمكن ان تعتبر اجمالا ليست سوى مجرد شرح تفصيلي لهذه الشروط التي وضعت من المنظور الاسرائيلي. هنا يظهر دور كلينتون (المحامي) كأبشع ما يكون. وفي التفسير تتحدث الورقة اولا عن تجمعات المستوطنات اليهودية التي انشئت على ارض فلسطينية. هذه المستوطنات يطالب كلينتون بضمها الى ارض اسرائيل. ورغم ان الرئيس الامريكي يقترح في الوقت نفسه تعويض الدولة الفلسطينية المستقبلية بمساحة تقتطع من الارض الاسرائيلية الا ان هناك سؤالا بلا اجابة: لماذا ينطلق الرئيس في اقتراحه من فرضية بأن المستوطنات اليهودية شرعية اصلا؟ ان القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة ذات العلاقة يحكمان بعدم مشروعية تقام على أراض للغير اخضعت لاحتلال اجنبي. ثم ان قرار الامم المتحدة رقم (242) ينص صراحة على انسحاب اسرائيل الى حدود ما قبل 5 يونيو 1967 دون ان ينص على اي استثناءات. وتنتقل الورقة الى قضية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا في عام 1948 من وطنهم في (فلسطين التاريخية) المسماة الآن بدولة اسرائيل. هنا تبلغ (الاكروبات) اللفظية التي استخدمها كلينتون ذروتها في بلاغة الباطل. فالرئيس الامريكي (يقر) بحق العودة للاجئين.. لكن ليس الى ارضهم التي طردوا منها ولكن الى (الدولة الفلسطينية) المستقبلية اذا رغبوا في ذلك. اما غير الراغبين في العودة على هذا النحو فإن عليهم ان يبحثوا عن (ديار جديدة) سواء (في موقعهم الحالي او في دولة ثالثة). وبايجاز وصراحة يقول الرئيس الامريكي للعالم: (انكم لا يمكن ان تتوقعوا من اسرائيل الاعتراف بحق العودة للأرض الفلسطينية المحتلة). فالرئيس يرى انه يكفي لاسرائيل ان (تتنازل) عن غزة والضفة.