بعد عشرة أيام إن شاء الله من قراءتك سطورنا هذه, يدخل الى البيت الأبيض الأمريكي رئيس جديد وادارات جديدة وبالتالي أجندة عمل جديدة في الحياة الرياسية بالنسبة للولايات المتحدة والعالم. وربما تستمد كل هذه الملابسات والأوضاع جدتها, من أننا بتنا على أعتاب قرن جديد وألفية جديدة بدورها من عمر البشرية. ولكن التأمل في ميراث القرن العشرين الذي أصبح لتوه ماضيا.. يفضي الى ملاحظة أن القرن المذكور قد وضع أو خبأ بين طيات الأحداث ما يمكن أن نسميه قنبلة زمنية سياسية عسكرية اقتصادية, بالنسبة للرئيس الأمريكي الجديد ومعاونيه, سواء الجنرال كولن باول في وزارة الخارجية أو كوندوليزا رايس في مستشارية الأمن القومي بالبيت الأبيض. قنبلة أمريكا اللاتينية موقع هذه القنبلة السياسية الموقوتة هو أمريكا اللاتينية وبالتحديد في كولومبيا ذلك البلد الذي ما برح يسبب صراعا لأمريكا بل وللعالم في ضوء ما ينتجه سنويا من مخدرات الكوكايين أخطر السموم البيضاء كما يصفها الخبراء.. وهو بالتالي من أعلى هذه السموم سعرا وأكثرها أرباحا ــ غير مشروعة بالطبع ــ ومن ثم فهو من أخطرها على الدورات الاقتصادية القومية لعدد كبير من البلدان. المشكلة أن مستشارة الرئيس بوش لشئون الأمن القومي الاستاذة كوندوليزا رايس تعد بحكم التخصص الأكاديمي بعيدة عن التعاطي مع أحوال وقضايا قارة أمريكا اللاتينية الجنوبية أو هي مستجدة على تلك القارة التي ما برحت واشنطن تعدها بمثابة (الفناء الخلفي) أو (الردهة الخلفية) للولايات المتحدة. إن الدكتورة كوندوليزا متخصصة أساسا في شئون شرق أوروبا السوفيتية والروسية وقد حصلت على الدكتوراه برسالة عن العلاقة بين العسكرتياريا في كل من موسكو وبراغ (تشيكوسلوفكيا اذ كانت جزء من المنظومة السوفييتية) وهي تتحدث الروسية بطلاقة ولم يسبق لها أن تعاطت مع شئون وشجون أمريكا اللاتينية وهي شئون قاسية مضطربة وشجون متشابكة بالغة التعقيد. خطورة تهريب المخدرات مع ذلك والشهادة لله فإن أجندة الرئيس الأمريكي الجديد التي أعدتها البروفيسور رايس في مجال الشئون الخارجية والعلاقات الدولية أكدت على أهمية أن تحظى أمريكا اللاتينية بأولوية عليا في قائمة اهتمامات الرئاسة الأمريكية الجديدة لا بحكم الجوار الجغرافي ولا بحكم التدفق المتواصل للعمالة المهاجرة من أمريكا الجنوبية ومنطقة أمريكا الوسطى البحر الكاريبي وحسب ولكن, وبالدرجة الأولى بحكم الأثر التدميري الذي تفضي اليه تجارة تهريب وترويج المخدرات الواردة من كولومبيا بالذات.. وهو أثر له عواقبه السلبية بل الوخيمة على صحة الأمريكيين, والشباب وطلاب الثانويات والجامعات بالذات, فضلا عن الآثار الاقتصادية وهي الأهم التي يخلفها هذا النشاط المدمر سواء من حيث عمليات غسيل الأموال القذرة المتولدة عن أرباح المخدرات أو من حيث التكاليف الجسيمة الى حد فلكي التي تنوء بها الخزانة القومية الأمريكية لقاء اصلاح ما أفسدته بل ما يتولد عن الأحراز والتعاطي والادمان سواء على شكل اعتمادات لقوات المكافحة, أو على شكل اعتمادات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة أو على شكل تكاليف مصحات التأهيل أو العلاج ضد الادمان.. دع عنك كمية الاهدار الناجم عن كل هذا من حيث اثاره السلبية في مجال قوى العمل والانتاج. معمودية النار من هنا كان من حق جريدة (الأوبزرفر) البريطانية أن تقول: إن صدمة المهام الأولى معمودية النار كما وصفها بالنسبة للرئيس المستجد بوش وهو يدلف للمرة الأولى الى المكتب البيضاوي إياه في البيت الأبيض سيكون اسمها: أمريكا اللاتينية. لماذا؟ لأن شهر يناير الحالي.. الذي سيشهد اليوم العشرون من تقويمه افتتاح رئاسة بوش الجمهورية الجديدة.. سيشهد أيضا, حسب المخطط الموضوع بدء نشاط إحدى أهم العمليات العسكرية, المقرر أن تشنها قوات الولايات المتحدة في كولومبيا التي يصفها المراقبون بأنها (أكثر البلدان توحشا في نصف الكرة الغربي من عالمنا) وتهدف العملية العسكرية المرتقبة الى منع, وبالأدق مكافحة انتاج ومن ثم تصدير عقارات من قبيل الماريجوانا والكوكايين والهيرويين والعياذ بالله من البلد الأمريكي اللاتيني المذكور. والحاصل أن أمريكا كانت قد توكلت على مولاها في أخريات أيام الرئيس (السابق) بيل كلينتون فأرسلت قوة عسكرية من 500 ضابط وجندي على أرفع مستوى من التدريب المخصص على حرب الأدغال اللاتينية. وحين لاحظ المراقبون وقتها محدودية حجم القوة الأمريكية المذكورة كان الجواب أن أفرادها هم كوادر عسكرية متخصصة لن يخوضوا القتال مباشرة بل يقصد بهم توفير دعم لوجستي تعبوي وفني تقني واستشاري للجيش الوطني في كولومبيا. الجيش يتاجر في المخدرات يومها كاد المراقبون العارفون ببواطن الأمور وأسرار الأدغال في كولومبيا يضحكون في عبهّم لما قد نقول.. لماذا؟ لأن الجيش الكولومبي المغوار كما يؤكد الصحفي البريطاني. هيو شوغنسي يتاجر شخصيا.. في المخدرات( !) أو يشارك قياداته في هذه التجارة المدمرة المحرقة, على أقل تقدير.. بل إن هذا الجيش له سجل شائن في مجال حقوق الانسان.. لا يقل فظاعة عن نظرائه من الجيوش في صربيا أو شيلي أو أقطار غرب أفريقيا لدرجة أنه ثبت تعاونه مع كتائب الاعدام المدنية التي تتولى على طريقة أمريكا اللاتينية ملاحقة العناصر الثورة أو المتمردة أو التقدمية أو اليسارية, واعدام أفرادها وقتلهم على الهوية أو بالشبهة بغير تحقيق أو محاكمة. وفي هذا الاطار, وفي نوبة يقظة أو صحيان كما يقول التعبير العسكري.. شهد يوم 21 ديسمبر الماضي تقديم 26 من كوادر الجيش الكولومبي إياه الى المحاكمة بتهمة الضلوع في تنظيم مذابح راح ضحيتها عشرات المدنيين وكان من بين العسكريين المتهمين 4 كولونيلات من قادة الجيش المذكور أعلاه. بلد لاتيني مشاغب وليس لك أن تستهين ــ نرجوك ــ بمغبة هذا الصراع بين العسكريين والمدنيين في ذلك البلد اللاتيني المشاغب المنتج لسموم المخدرات, يكفي أن نعلم أن هذه المواجهات الدموية قد أدت في كولومبيا وحدها لتهجير وفرار وتشريد مليوني انسان من ديارهم.. منهم من يقيم في مخيمات البؤس والشقاء ومنهم من لا يزالون هائمين على وجوههم بين الغابات والوديان والأدغال (يبلغ عدد سكان كولومبيا بالمناسبة 40 مليون نسمة حسب بيانات عام 2000). ليس صدفة إذن أن ظلت أوساط أكاديمية وسياسية كثيرة في الولايات المتحدة, عاكفة مع أواخر القرن على اصدار تحذيراتها الى الادارة الأمريكية الجديدة مما قد يترتب من عواقب على الانغماس في حرب المخدرات هذه خشية بالطبع على أن يسقط من ضحاياها عسكريون أمريكيون يحملونهم في صناديق الموت ويشكلون بذلك بداية شؤم للادارة الجديدة في البيت الأبيض فمن ناحية أولى أعلنت المعارضة العسكرية في كولومبيا ممثلة فيما يسمى بأنه قوات كولومبيا الثورية المسلحة و هي طبعا غير جيشها الشرعي أو فلنقل الجيش المعتمد المساند للنظام الحاكم في (بوجونا) ويعرفه المحللون باسمه المختصر (فارك) أعلنت في رسالتها التي أذاعتها مع رأس السنة الميلادية الجديدة أنها (سوف تهزم خطط الشر الحربية لحكومتي كولومبيا وأمريكا). سقوط الهليوكبتر ومن ناحية ثانية كانت واشنطن قد أبرمت عقدين مع حكومة كولومبيا لتزويدها بعدد 30 من طائرات (بلاك هوك) الحوّامة لدعم قدرات بوجوتا على التصدي لأباطرة بارونات المخدرات وأيضا للمتمردين الثوريين المعارضين لسياساتها ومن ناحية ثالثة يحذر الاختصاصيون العسكريون من أن هذه الطائرات السوبر متقدمة سوف تحلق لتصبح في مهب الريح بعد أن نجح أفراد جيش (فارك) المتمرد السالف الذكر في اسقاط بعضها في مراحل سابقة من العام الماضي. ومن ناحية رابعة يحذر السياسيون من مغبة إنغماس الادارة الأمريكية الجديدة في عمليات حربية جديدة بكل ما تؤدي اليه من تكاليف مالية ومغارم بشرية.. منهم مثلا جورج شولتز وهو سياسي جمهوري مخضرم وكان كما ــ لعلك تذكر ــ وزيرا لخارجية الرئيس ريجان وقد أعلن مؤخرا أن تكاليف حرب المخدرات أصبحت أفدح وأنكى من تكاليف تعاطي وترويج المخدرات ذاتها. ومنهم أيضا البروفيسو ر ويليام راتليف وهو زميل أكاديمي للأستاذة كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي, وقد جابه وزير الخارجية الجديد كولن باول قائلا: إن الجنرال يتبع مبدأ شهيرا يقوم على عناصر جوهرية هي: وضوح الهدف. استخدام قوة بالغة الكثافة. التأكد من احراز النصر وضع سياسة للخروج (أو الانسحاب) من المواقع. حشد الدعم والتأييد الشعبي للعمليات. (نستطيع من جانبنا أن نلمح جوانب من تطبيق مبدأ _ أو مذهب باول المذكور في حرب الخليج الثانية أو خلال ملابساتها الساخنة على أقل تقدير). استدعاء عقدة فيتنام المهم, يقول البروفيسور راتليف إن المعونات العسكرية التي خططت أمريكا لتقديمها الى كولومبيا تتعارض مع معظم بنود هذا المبدأ.. أنها تشمل طائرات باهظة الثمن يستطيع الخصم اسقاطها وتشمل التزويد بأفراد من ضباط وجنود يمكن أن يعود بعضهم في حقائب الموت.. وتشمل اعتمادات وأموالا تدفع الى المزيد من التورط في المستنقع اللاتيني (هنا تستعيد الذاكرة الأمريكية الفردية أو الجمعية عقدة المستنقع الآسيوي في فيتنام).. وهي فوق هذا كله لا تحقق نصرا مؤكدا ولا تكفل خطة خروج أو انسحاب من المواقع عند اللزوم. ويبقى سؤال مطروح: هل تنتهي متاعب الرئيس بوش المرتقبة عند حدود كولومبيا؟ والاجابة البديهية تقول: لا.. بكل تأكيد.. بل لعل هذه المتاعب الحافلة والمنتظرة تبدأ مع كولومبيا لكنها كفيلة بأن تتسع الى حد الاشتداد بل والتفاقم على مستوى قارة أمريكا اللاتينية بأسرها. و.. خذ عندك: فنزويلا وهي الدولة الأمريكية اللاتينية المدللة من واشنطن بحكم كونها بلدا نفطيا, أعلنت انتقادها الصريح بل والمرير لخطة أمريكا العسكرية المقرر تنفيذها في كولومبيا. بل منعت الطائرات الأمريكية من التحليق في مجالها الجوي الاقليمي وهي في طريقها الى بوجوتا. والمعروف أن فنزويلا من أكبر مصادر تزويد أمريكا بالبترول لدرجة يقول معها المراقبون أن البترول المقبل من كاراكاس هو الذي يبعث الدفء مع زمهرير الشتاء في أوصال كل من واشنطن ونيويورك وغيرها من كبريات الحواضر في الولايات المتحدة. وقد زاد من أهمية وتعقيد الشأن الفنزويلي عاملان يتمثلان أولا في الزيارات الجريئة التي قام بها رئيسها هوجو شافيز في العام الماضي الى كل من بغداد وطرابلس وهافانا وهي عواصم دول تدرجها واشنطن في قائمة النظم (الشريرة) بالطبع المعادية ويتمثلان ثانيا في قيام رئيس فنزويلا بترشيح وزير نفطه السابق (علي رودريجيز) لمنصب الأمين العام لمنظمة (أوبيك ) النفطية في فيينا وهي الآن محط أنظار العالم فيما يتعلق بترمومتر أسعار البترول وسط الشتاء القارس والثلوج الهاطلة في نصف الكرة الأرضية الى الغرب والشرق والشمال ولقد بلغ الأمر الى حد أن سرت شائعات في العاصمة واشنطن والعهدة على أسبوعية الجارديان ويكلي البريطانية (عدد 4- 11 يناير 2001) ومفادها أن صقور السياسة الأمريكية في البيت الأبيض والمخابرات الأمريكية والبنتاجون باتوا يفتشون عن حلفاء (هل نقول بتعبيرنا.. عملاء؟) داخل صفوف العسكر في فنزويلا من أجل تدبير انقلاب للاطاحة بالرئيس الفنزويلي شافيز جزاء وفاقا على سجل (مخالفاته المذكورة أعلاه) سواء بزيارة صدام حسين أو القذافي أو فيديل كاسترو.. أو بتزويد كوبا بكميات من النفط الرخيص السعر الذي تحتاجه بصورة يائسة (بعد أن انقطع عنها شريان البترول السوفيتي الذي كان) أو بسبب تصلب مواقف فنزويلا داخل صفوف منظمة الأوبيك ولاسيما في ضوء الانخفاض الذي اعترى مؤخرا أسعار البترول ومن ثم الحاجة الى اتخاذ قرارات بخفض الانتاج وهو ما يؤثر على الدورة الجديدة للاقتصاد الأمريكي الذي يستهل بها عام جديد وقرن جديد وادارة جديدة, هذا فضلا عما ألمحنا اليه من معارضة شديدة من جانب حكومة كاراكاس لخطط أمريكا بالتدخل العسكري في كولومبيا ولو كان ذلك تحت شعار محاربة انتاج وتهريب المخدرات ورغم أن السياسة لا تعرف الرحمة ولا التعاطف وأحيانا لا تعرف المنطق بل ولا الأخلاق, إلا أن هناك من العقلاء من يحذر صقور واشطن اياهم من مغبة الاقدام على مثل هذا (المشروع) للاطاحة بنظام الحكم القائم في فنزويلا حاليا. صورة الأمريكي القبيح وبديهي أن هؤلاء العقلاء لا يكنون ودا مفقودا أو موجودا للرئيس الفنزويلي شافيز.. ولا هم حريصون.. على استقرار فنزويلا أو حادبون على سلام شعبها اللاتيني أو سكينته قصاراهم كما نتصور أن يحذروا من أن تظهر الأصابع الأمريكية وهي جديرة بأن تظهر في عالم العلن والمكاشفة - الجلاسنوست الراهن فاذا بالقوم يعيدون أو يستعيدون من جديد حكاية (اليانكي الشرير) أو صورة (الأمريكي القبيح) وهي صورة لا يجوز أن تستهل بها حقبة رئاسية جديدة في الولايات المتحدة. أخيرا يقول الكاتب البريطاني (هيوشوغنسي) الذي أحلنا اليه في صدر هذا الحديث: إن السيدة كوندوليزا رايس اختصاصية في شئون روسيا, ومن ثم فقد لا تتوافر لها الخبرة اللازمة لتدبير الأمور في أمريكا اللاتينية ولكنها مشهورة بمهارة التزحلق على الجليد ومن ثم فهي بحاجة هي والرئيس الجديد جورج ووكر بوش الى استجماع كل مهاراتها وحذقها وهما يخطوان على ذلك الطريق الوعر الحافل بالمزالق والانحدارات طريق العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية في عام 2001 الذي استقبله العالم منذ أيام.