الأزمة المشتعلة حاليا بين وزير الثقافة المصري فاروق حسني وجزء كبير من المثقفين المصريين على خلفية منع نشر ثلاث روايات من إحدى الهيئات التابعة للوزارة, ليست أزمة مصرية بل هي قابلة للتكرار والاستنساخ عربيا, وبالتالي فالبحث في المشكلة ينبغي ان يتجه إلى محاولة ايجاد حلول جذرية لمثل هذه النوعية من المشكلات مستقبلا. والمشكلة المثارة حاليا مثلما حدث في مرات سابقة وسيحدث في مرات مقبلة, ليست صراعا بين معسكرين, احدهما يمثل الخير والآخر يمثل الشر, فالوزير الذي استند في قراره بمنع النشر واقالة بعض المسئولين في وزارته إلى ضرورة الحفاظ على القيم والتقاليد الدينية للمجتمع يمكن أن يصطاده منتقدوه بالحجج نفسها, لان وزارته سبق لها نشر بعض الأعمال المشابهة, كما ان منتقديه الدائمين يستطيعون الاشارة إلى أزمة (وليمة لأعشاب البحر), كما انه لم يعرف عنه انه أصولي متطرف, فمهاجموه يستندون أساسا ـ حقا أو باطلا ــ إلى انه لم يراع هذا العنصر في تسيير وزارته. المثقفون وهم الطرف الثاني في هذه الأزمة صنفان, الأول صاحب اسهامات حقيقية في الثقافة المصرية والعربية, وله مواقف مبدئية في قضية الحرية, أما الثاني فيمكن أن نطلق عليهم (راكبي الموجة), وإذا كنا نتعاطف مع كل من يدافع عن حرية الرأي والنشر دون أي قيود, فعلينا أيضا أن نتردد كثيرا في الدفاع عن (البورنو) المتجسد زورا تحت لافتات أدبية, ولا يمكن أن نقارن بالمرة بين معالجة أديب مثل نجيب محفوظ للجنس في رواياته, وبعض الهواة الذين يسجلون أحلامهم وهلوساتهم الجنسية على بضع أوراق بيضاء ويطالبون الآخرين بالدفاع عنهم باعتبار ان حريتهم الأدبية قد تمت مصادرتها. الأزمة شديدة التعقيد والتداخل, وترتبط إلى حد كبير بتداخل هائل ما بين الأدب والسياسة من جهة, وافرازات الانتخابات المصرية البرلمانية الأخيرة من جهة أخرى, كما لا يمكن فصلها عن خلافات مناصب داخل وزارة الثقافة, مثلما لا نستطيع استبعاد الدوافع الشخصية من بعض مهاجمي الوزير. لكن العنصر الأكثر خطورة في كل ذلك هو التداخل بين الدين من جهة وحرية التعبير من جهة ثانية... هنا المعضلة, والسؤال هو: هل نستطيع فك الارتباط ما بين الأدب والدين؟ الاجابة تبدو صعبة للغاية وشديدة التعقيد, فالإسلام متداخل في سائر مناحي الحياة, ونحن ــ أي العالم العربي ــ لسنا في أوروبا, بمعنى اننا نستطيع أن نفعل كل شيء ونترك الدين داخل الكنائس, وإذا كان مطلوبا في كل وقت مراعاة المشاعر الدينية, فالمطلوب أيضا ألا يحصل فريق فقط من الناس على صلاحيات رجال الكنيسة في العصور الوسطى بمعنى أن يقرروا لنا ما هو الحلال وما هو الحرام, اقتراحي المتواضع هو: هل يمكن ايجاد ميثاق شرف أدبي عربي يحاول على الأقل فك الاشتباك بين كافة هذه الموضوعات المتشابكة, يحترم الدين ولا يعتدي على حرية الأديب, حتى لا نفاجأ كل يوم (بوليمة جديدة) في وزارة الثقافة المصرية وأخرى في الأردن بعدما أثير عن الأديب إبراهيم نصرالله وديوانه الأخير. لسنا في حاجة إلى ولائم جديدة, يكفينا إسرائيل وهي تواصل التهام كل ما هو عربي أمامها! emadiraqi @ yahoo. com