بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الى السودان مؤخرا واعلانه عن استعداد بلاده للمشاركة في احلال السلام في السودان اذا طلب منه اطراف النزاع بالوساطة. تتوجه انظار العديد من المحللين الى الدور الذي يمكن ان تضطلع به الجزائر كوسيط بين اطراف النزاع في السودان, الا ان بعض من هؤلاء المحللين من يعتقد انه من الصعوبة ان تتوصل الجزائر لحل للازمة السودانية وذلك لتداخلها وتشابكها وتضارب مصالح العديد من الاطراف الفاعلة فيها والتي تجمعها مصالح بأطراف النزاع خاصة بالمعارضة في جنوب السودان التي يقودها جون قرنق الذي يتلقى دعما ماليا وعسكريا من بعض القوى الدولية الخارجية لاسباب دينية تتعلق بتعاطف القوى الدولية هذه مع الاقلية المسيحية في جنوب السودان, ولاسباب جيو استراتيجية تتعلق بتخوف هذه القوى من احتمال ان يتوسع نفوذ التيار الاسلامي الذي يسيطر على مقاليد الحكم في السودان الى بقية الدول المجاورة للسودان وعلى وجه الخصوص في منطقة القرن الافريقي ومع ان العديد من الدول العربية سعت جاهدة لدى اطراف النزاع لاقناعها بضرورة وقف الاقتتال والجلوس الى طاولة المفاوضات, الا ان جهودها كانت تصطدم كل مرة بعراقيل وتدخلات خارجية تعقد من الازمة اكثر, ولهذه الاسباب مجتمعة ستجد الجزائر هي الاخرى كمثيلاتها من الدول العربية وغير العربية ان الطريق صعب ومحفوف بالعراقيل التي ستصعب من مهمتها في تقريب وجهات نظر الاطراف المعنية بالنزاع. لكن صنف اخر من المحللين متفائل من مقدرة الجزائر على انهاء النزاع الدائر في السودان وبرأيهم ان الجزائر دبلوماسية نشطة تتمتع بمبادىء وقوة في الاقناع وارضاء الاطراف المتنازعة, ويرجع البعض قوة الاقناع لدى المفاوض الجزائري الى مرحلة الثورة الجزائرية التي قادها رجال عرفوا كيف يسمعون صوت الجزائر ويقنعون العالم كله, بعدالة قضيتهم وتمكنوا من هزيمة اكبر قوة استعمارية في ذلك الوقت الا وهو الاستعمار الفرنسي حتى انه في اثناء المفاوضات بين الجزائر وفرنسا حول استقلال الجزائر استطاع المفاوض الجزائري ان يفرض شروطه ومطالبه على المفاوض الفرنسي كاملة وحصل على استقلاله وسيادته على كامل ترابه وهذا المخزون والرصيد الثوري الذي ورثه المفاوض الجزائري عن ثورة التحرير منح الجزائر مكانة دولية مرموقة بحيث انها وظفت هذا الرصيد في معالجة العديد من النزاعات الاقليمية والدولية المعقدة والتي فشلت حتى القوى الكبرى في حلها كموضوع الرهائن الامريكان الذين احتجزهم انصار اية الله الخميني بعد اسقاطهم لشاه ايران ونجحت الجزائر حينها في اطلاق سراحهم من دون اراقة دماء احد من المحتجزين ومن يومها اصبحت ورقة الجزائر تلعب في النزاعات التي يستعصي حلها كما حدث مثلا في النزاع بين اثيوبيا واريتريا والذي كان للجزائر دورا بارزا في ايقاف نزيه, ورجع الفضل الى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي قاد المفاوضات الماراثونية بين طرفي النزاع المباشرين والمعروف عن الرجل تمتعه بالخبرة الدبلوماسية الدولية كان اكتسبها من ايام ثورة الجزائر ثم قاد دبلوماسية بلاده بعد الاستقلال وعمره لم يتجاوز 32 عاما وهو اليوم يناضل على جبهتين: جبهة داخلية تتمثل في عزمه على احلال السلم والامن, وجبهة خارجية تتمثل في عزمه على اعادة الجزائر الى مكانتها الدولية التي اكتسبتها منذ ان نالت استقلالها. وباعتقادنا ان مهمة الرجل ليست سهلة خاصة ان العديد من المعطيات الاقليمية والدولية تغيرت اليوم, ويتطلب من الجزائر التكيف معها. فخلال فترة السبعينيات مثلا كانت الجزائر تلقي دعما ومساندة من العديد من دول العالم الثالث ومن الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وكانت الجبهة العربية موحدة من القاهرة الى طرابلس الى الجزائر, ووظفت الجزائر هذا الرصيد الدولي بمطالبها القوى العظمى والكبرى امام الجمعية العامة للامم المتحدة بتحقيق العدالة الدولية في توزيع الثروات وباقامة نظام اقتصادي دولي جديد كان ايام الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين, واعتبرت الولايات المتحدة الامريكية وقتها مطالب الجزائر هذه تحديا لادوارها الدولية التي ورثتها بعد الحرب العالمية الثانية ومساسا بمصالحها الاستراتيجية الدولية لكنها لم تقدر على احتواء الجزائر سياسيا او تطالبها بالتوقف على المطالبة بالعدالة الدولية للاسباب السالفة الذكر وللوضع الدولي السائد آنذاك وذلك كان يعرف بالحرب الباردة بين المعسكرين. ومع تغير الوضع الدولي بانهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان عبارة عن مظلة دولية كانت تحتمي تحتها الدول المحسوبة على الاتحاد السوفييتي السابق ومن بينها الجزائر, فانه يصعب على الجزائر او غيرها من الدول ان تواجه القوى الكبرى بالسياسة نفسها التي اتبعتها خلال فترة التوازن الدولي بل من الصعب على الجزائر ان تقترب من مناطق تعد حيوية بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية بدليل انه في اثناء التوقيع على اتفاق السلام بين ارتريا واثيوبيا ــ والذي لم تشارك فيه الولايات المتحدة الامريكية ــ اصرت وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت على الحضور شخصيا ليس من اجل الحضور كشاهد على الاتفاق وانما من اجل توجيه رسالة واضحة تقول ان للولايات المتحدة الامريكية في عالم اليوم الذي يتسم باحادية القطب مسئوليات دولية وهي الراعية المباشرة لجميع النزاعات الدولية في العالم لذلك نحسب ان مهمة الجزائر لاحلال السلام في السودان ـ ان قبلت وطالبت اطراف النزاع كلها الجزائر بالوساطة ــ ستكون صعبة للغاية ويتعين ان يكون للوسيط الجزائري النفس الطويل والمقدرة على ارضاء جميع الاطراف المتنازعة من جهة وارضاء القوى الدولية التي لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بالنزاع. والى حد الآن يمكن ان نقول ان النشاط قد عاد الى دبلوماسية الجزائر وان عبدالعزيز بوتفليقة وفق في اخراج الجزائر من عزلتها التي تسبب فيها الوضع الامني الداخلي بالجزائر, هذا الوضع ابعد الجزائر عن العديد من الاحداث الدولية والاقليمية المهمة لم تشارك فيها الجزائر, والعودة الى الحياة الدولية مجددا ستخدم العديد من الدول التي تبحث عن حلول لمشكلاتها كما تخدم الاطراف الباحثة عن مكان لها في عالم اليوم الذي لا يعترف بالدول الضعيفة ونتمنى ان يكون الحل السوداني على يد الجزائر, عندها سنقول ان المجموعة العربية لا تزال بخير ما دام ان الدول العربية استطاعت ان تحل مشكلاتها بنفسها. * باحث في العلاقات الدولية