كانت البصيرة السياسية سيدة الموقف الفكري في عام 1948 اي العام الذي اندلعت فيه الحرب بين الجيوش العربية النظامية وعصابات بني صهيون الهاجانا وشترن والارجون وكان زعماء الصهيونية، هم انفسهم رؤساء تلك العصابات: بن جوريون, مناحيم بيجن, اسحاق شامير هم انفسهم الذين ترأسوا وزارات اسرائيل منذ تأسيسها الى سنوات قليلة خلت ولا يزال بعضهم برغم الطعن في السن له تأثير على مجرى الاحداث. كانت البصيرة السياسية حاضرة في اذهان النخبة العربية وكان اغلبهم يستشرف مصير فلسطين. فاقرأ معي في الدراسة التي كتبها د. محمد عوض محمد بكر في مجلة الهلال وهو يقول: (... والصهيونيون ليسوا سوى عصابة طغت عليها الشهوة الاستعمارية والكثرة الساحقة منهم ينتمون الى اصل جرماني او اسلامي ولعل في هذا تفسير لما شاهده فيهم من الاساليب النازية ولما يرتكبونه من الوحشية والقسوة ولما امتازوا به من الاثم والخيانة والمراوغة ولا عجب اذا رأيناهم كالنازيين في محاولتهم السيطرة على اكبر رقعة من العالم, فليس بسر ان محاولتهم الاستيلاء على فلسطين ليست سوى الخطوة الاولى, يليها الاستيلاء على العالم العربي من نهر النيل الى نهر الفرات ومتى تمت السيادة على الشرق الاوسط فهيهات ان تقف اطماعهم عند هذا الحد بل ستتجاوزه الى اراض واقطار اخرى..). هكذا اكتب احد افراد النخبة العربية وهو يعيش اللحظات الاولى من ميلاد اكبر مظلمة في التاريخ. وكان واعيا بالخطط الصهيونية الاستراتيجية كأنه يحاول اقناع العرب بها وهي في مراحلها الوليدة قبل استفحالها . لقد شخص د. محمد عوض محمد بكر هذا الداء الصهيوني بدقة, وهو ما يثبت بأن النخبة العربية لم تكن في غفلة كما تدعي بعض الاقلام اليوم. ويواصل المقال مفككا الآلة الصهيونية وكيف عملت في الماضي لاكتساب التعاطف الاوروبي والامريكي ثم يختم كلامه بالتأكيد على ان (... العشب الفلسطيني حشد ابناءه لكي يفدي عروبة فلسطين بالمهج والارواح...) وهو اقرار صحيح بالواقع ولو ترك شعب فلسطين لكفاحه لخاض ثورته التحريرية تماما كما فعل الشعب الجزائري والشعب الفيتنامي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ــ القرن 20 ــ ولكن الجيوش العربية التي كان يقودها فيمن يقودها ضباط بريطانيون وتوجهها قيادات سياسية عاجزة فاقمت وضع ذلك الشعب الفلسطيني ونصحته برفض قرار التقسيم الاممي (29 نوفمبر 1947) ونزح عن الوطن الحبيب مئات الآلاف اصبحوا اليوم وبعد اثنين وخمسين عاما العنصر الاساسي لتسوية (سلمية) مرتقبة وبالضرورة جائرة لأن فرصا تاريخية عديدة ضاعت بين ايدي العرب. وفي العدد الخاص نفسه من الهلال يكتب الدكتور احمد امين رحمه الله, وهو صاحب كتب (فجر الاسلام) و(ضحى الاسلام) و(ظهر الاسلام) ليتخيل رواية يعود فيها الانبياء موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ليشهدوا كيف اصبح العالم واصبحت اممهم الكتابية آنذاك. وهي رواية خيالية لكنها تنطق بصميم الواقع, لم ينشرها احمد امين في كتبه: فيضي الخاطر وهي عشرة اجزاء على ما اعلم. واحمد امين الكاتب الفذ والمفكر الامين يخلص الى ان قوم محمد صلى الله عليه وسلم اهملوا امر القرآن ولم يعدوا ما استطاعوا من قوة لاعدائهم وان قوم موسى انشغلوا بالمال وسخروا الروحانيات لخدمة الماديات وان قوم عيسى اهملوا امور دينهم لبناء دنياهم. ونقتطف من هذه الرواية وهي بعنوان (لو عاد موسى وعيسى ومحمد) فقرة عن اليهود يقول احمد امين: (طار موسى عليه السلام الى فلسطين فأراه الدليل نشاط اليهود في اعادة دولة سليمان وكيف استخدم قومه نفوذهم ومالهم لتأسيس هذه الدولة وكيف حملوا الدول على الاعتراف بالتقسيم, وسيتلوه الامتداد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا....). با لها من قراءة حكيمة منذ نصف قرن يزيد لهذا السرطان الذي احتل وشرد ثم تمدد في الاتجاهات الاربع كما تكهن له احمد امين. * استاذ الاعلام بجامعة قطر