في مواجهة الولايات المتحدة ومخططاتها يتعين على الحكومة السودانية مراجعة مرتكزات وموجهات سياستها الخارجية في اتجاه خلق علاقات ذات طابع استراتيجي تحالفي مع القوى الدولية الكبرى الاخرى.. وبوجه خاص (الاتحاد الاوروبي).. وبوجه اخص الصين. وفي كل الاحوال فإن الخيار الافضل بالطبع هو ان تسعى الحكومة السودانية الى تفاهم مع الولايات المتحدة على اساس مبدأ المصالح المتبادلة. لكن المشكلة ان العداء الامريكي الراهن تجاه النظام السوداني عداء راسخ لانه يقوم على اعتبارات استراتيجية ثابتة هي قوام توجهات السياسة الامريكية الحالية تجاه كل من افريقيا والشرق الاوسط. وما لم تتغير هذه التوجهات الى الافضل فإن تحسين العلاقات بين امريكا والسودان سوف يظل غير وارد. الاحوط اذن ان ترسم الحكومة السودانية اسس سياسة خارجية تهدف الى توثيق علاقات السودان مع القوى الكبرى الاخرى التي تتخذ موقفا مختلفا عن الموقف الامريكي تجاه قضية جنوب السودان.. والسودان عموما وتطوير هذه العلاقات الى مستوى استراتيجي كامل. ان الاتحاد الاوروبي ككيان جماعي وكدول فرادى يتبنى رؤية مختلفة تماما تجاه السودان. فدول الاتحاد اعربت وتعرب من حين لآخر عن ارتياحها للنقلة الديمقراطية والدستورية النسبية في السودان.. كما انها تتبنى حلا سلميا لقضية الجنوب.. لا حلا عسكريا كما هو حال السياسة الامريكية. وللسودان علاقات تعاون متوسعة ومتصاعدة مع الصين عززتها مشاركة الصين في مشروع النفط السوداني المتطور. ومع تصاعد العائدات النفطية السودانية بتصاعد معدل الانتاج اليومي من حقول النفط القائمة في غرب السودان والحقول المتوقع تطويرها خلال العامين المقبلين فإن على الحكومة السودانية ان تسعى الى نقل العلاقة الصينية السودانية الى مستوى شراكة تجارية واقتصادية من الدرجة الاولى. وبالاضافة الى ذلك فإن الصين يمكن ان تكون مصدر التسليح الاول للسودان. وقد رأينا العام الماضي كيف ان تشابك المصالح الاقتصادية الحيوية يمكن ان يفيد السودان سياسيا في مواجهة العداء الامريكي. فقد رفضت الحكومة الكندية كل ما مارسته عليها الولايات المتحدة من ضغوط من جميع الاتجاهات لحملها على سحب ترخيص شركة (تاليزمان) الكندية المشاركة في مشروع النفط السوداني. كانت الحجة الامريكية ان الحكومة السودانية لا تعبأ بحقوق الانسان وان العائدات المالية النفطية سوف تجعلها في موقف افضل لمواصلة الحرب في الجنوب. لكن كندا, ببساطة, لم تستجب لهذا الهراء. فمبدأ المصالح يبقى العامل الحاسم الذي يتحكم في العلاقات الدولية. على الصعيد الداخلي يجب الا تتوقف جهود الحكومة السودانية نحو حل سلمي لقضية جنوب السودان. لقد ذهبت الحكومة الى اقصى حد ممكن فعرضت تقرير المصير لشعب جنوب السودان على اساس استفتاء حر تحت مراقبة دولية. لكن حركة قرنق لم تتجاوب. وربما يكون الافضل ان تحاول الحكومة مرة اخرى, لكن اذا ثبت, كما هو متوقع, ان حركة قرنق ــ التزاما بالمخطط الامريكي ــ لا تعتزم سوى استمرار الحرب الى الابد, كما قال الزعيم الجنوبي المخضرم بونا مالوال, فإن على الحكومة ان تكون على استعداد للنظر في فصل شمال السودان وترك الجنوب لحاله لوضع الجنوبيين امام امر واقع لتقرير مستقبلهم بأنفسهم اما سلما او عن طريق الاقتتال القبلي. ما نتمناه بالطبع هو ان يتقرر مصير جنوب السودان بطريقة منظمة وسلمية وحضارية بحيث لا يضار الجنوب او الشمال. ولكن اذا كان المخطط الامريكي يقضي باستمرار الحرب الى اجل غير مسمى لاضعاف الشمال واستنزافه الى الابد فلماذا لا يكون تقرير المصير من حق الشمال ايضا؟