عندما جئت إلى دبي سنة ثمانية وتسعين وتسعمئة والف من القرن الماضي كنت تواقا لرؤية سلطان بن علي العويس مؤسس الجائزة الشهيرة التي شرفت بالفوز بها في الدورة الخامسة مناصفة مع الأديب السوري الكبير وليد اخلاصي. نزلت مدينة دبي الجميلة, ذات السماء المفتوحة, الرحبة. جئت لأشارك في حفل الفائزين. ولتسلم الجائزة, كل شيء أعد بدقة نموذجية, إلى أن حانت اللحظة التي وقع فيها بصري على المغفور له سلطان بن علي العويس. كان ذلك في بيت الصديق الأديب محمد المر. الذي أقام مأدبة غداء للفائزين والمدعوين. عندما دخل إلى قاعة المكتبة الفسيحة العامرة في بيت محمد المر عرفته على الفور, المرجعية تتمثل في الصورة التي تنشر له في الصحف أو مطبوعات المؤسسة, لقطة واحدة لا تتغير, وجهه الطيب, هادئ الملامح, يميل قليلا إلى الامام كأنه يهم برد تحية لشخص ما, بالطبع لا يظهر في الصورة, كان يرتدي جلبابا عاديا. وغترة بيضاء, وعقالا نحيلا أسود اللون, أول انطباع عنه, البساطة والتواضع. بساطة واضحة. وتلقائية إنسانية, إذا ما قرنت بنحافة جسده ونحوله أوحى لنا حضوره بالشخصيات الصوفية التي نقرأ سيرتها في كتب التراجم والطبقات, غير أن صاحب هذه الهيئة المتواضعة يعد من أكبر الرجال العاملين في مجال المال والبنوك, في منطقة الخليج العربي, معلوماتي عنه من خلال حوار أجري معه في مجلة (العربي) الكويتية, كان الرجل صريحا في حواره, نفس بساطته التي تحدث بها هي التي رأيته عليها, صافحته ولم أتبادل معه حوارا طويلا, إنما كان أقرب إلى حوار المجاملات السريع, رحت أتأمله بهدوء, وعندي شعور داخلي بالراحة والامتنان. على المستوى العام, قطع الرجل خطوة واسعة لتدعيم وترسيخ تقليد عريق في الثقافة العربية. عندما يقدم الذين أفاض الله عليهم بالثراء على رعاية الأدب والأدباء, كان ذلك من حميم الحياة في الوطن العربي عبر مختلف عصوره, وفي مصر عرفت الحياة الثقافية هذا التقليد قبل ثورة يوليو, عندما كانت الجائزة الرسمية الوحيدة تمنح من مجمع اللغة العربية في القاهرة. لم تكن جوائز الدولة قد أنشئت بعد, ومن أشهر الجوائز الخاصة جائزة قوت القلوب الدمرداشية, وكانت تكتب الرواية باللغة الفرنسية, أول من حصل على جائزة هذه الأميرة المثقفة, نجيب محفوظ, عن روايته (زقاق المدق). في نهاية الخمسينيات ظهرت جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية, وفي إطار السياسة العامة حتي بداية السبعينيات أعتبرت أهم الجوائز في مصر, ومع ظهور رأس المال الخاص, وبدء تكون ثروات هائلة منذ حوالي ربع قرن, لم يقدم أحدهم على رصد جوائز ذات قيمة للأدب والفن, باستثناء مؤسسة واحدة يعمل صاحبها في العقارات بدأ العام الماضي نشاطا يحظى باحترام وان كان محدودا. المبادرة في الحقيقة جاءت من منطقة الخليج العربي, وحديثي هنا عن الجوائز التي يمنحها أفراد, وليس هيئات رسمية أو شبه رسمية, هنا يجب أن نذكر بتقدير واحترام الدكتورة سعاد الصباح (شفاها الله), والجوائز التي رصدتها لشباب الأدباء والباحثين. تحمل اسم زوجها الراحل, وجوائز الشاعر الكويتي عبد العزيز البابطين, وجائزة الشاعر السعودي محمد حسن فقي التي يدعمها ويمولها الشيخ زكي اليماني وزير البترول السابق, وجوائز أنجال سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان الموجهة للمؤلفات التي تخاطب الطفل العربي, وجوائز مؤسسة السعيد في اليمن, وجوائز عبد الحميد شوهان مؤسس (البنك العربي المحدود) بالأردن, وجوائز المغفور له الشيخ راشد بن مكتوم التي اتمني أن يكون لها بعد عربي ولا تقتصر على الامارات فقط, لا أبالغ إذا قلت إن جائزة سلطان العويس في مقدمة الجوائز العربية الآن لعدة أسباب. أي جائزة تكتسب قيمتها من عناصر عدة, أهمها المصداقية, المصداقية قبل القيمة المادية, والاستمرارية. بالنسبة للمصداقية فإن الأسماء التي حصلت على جائزة العويس اكتسبت الجائزة مصداقيتها وثقلها, وهذه المصداقية ناتجة عن اختيار لجان تضم شخصيات معروفة بثقلها الأدبي ونزاهتها, وتخضع أعمال اللجان لسرية تامة, وتنظيم دقيق, بحيث تنأى عن كافة المؤثرات التي نعرفها في أوطاننا العربية, والتي خلقت بعض الشخصيات من ذوي الخبرة في قنص الجوائز والتنشين عليها بوسائل شتى, بدءا من توثيق العلاقات, إلى التوسل بالتقدم في العمر وإدعاء المرض, أو التحرك من خلال المكانة الاعلامية. ونتيجة ذلك أن بعض الجوائز تدهور مستواها, وأصبحت مثار السخرية, ولا تشرف من حصلوا عليها, يمكن القول ان جوائز العويس نجت من هذا, وبالتالي اكتسبت مصداقية عالية, و أصبح كل أديب يتمناها, ولا أخفي أنني تمنيتها قبل حصولي عليها, ذلك أن الأسماء التي حصلت عليها في الدورات السابقة على الدورة الخامسة التي فزت حينها كانت مشرفة. لتنظر إلى حقل الرواية مثلا, سعد الله ونوس, حنا مينا, عبد الرحمن منيف, الفريد فرج, صنع الله ابراهيم, سليمان فياض, واسند ادارتها إلى عدد من الشخصيات المحترمة التي أسهمت في تأسيس إدارة حازمة, متطورة, غير تقليدية, أذكر منهم الصديقين العزيزين الأديب عبد الحميد أحمد, أمين عام الجائزة. والأديب عبد الإله عبد القادر. لا مؤسس الجائزة, ولا المسئولين عن الإدارة, يتدخلون في أعمال لجان التحكيم, هذا ما شهد به كل المشاركين على امتداد السنوات الماضية منذ تأسيسها عام سبعة وثمانين وتسعمئة وألف, احتفظ المؤسس باختيار شخصية مرموقة يمنحها جائزة الانجاز الثقافي العلمي. ولننظر في الذين حصلوا عليها, محمد مهدي الجواهري, نزار قباني, الشيخ حمد الجاسم, ادوارد سعيد. وكل منهم علم راسخ في مجاله. سنلاحظ أيضا أن الأسماء التي فازت بالجائزة تنتمي إلى اتجاهات فكرية مختلفة ومواقف سياسية متباينة, بل ان بعضهم منبوذ من موطنه, مهمش, من هنا كان ذلك عنصر إضافي لمصداقية الجائزة. استطاعت الجائزة أن تعلو بمهارة على تناقضات العالم العربي ومشاكله. أما عن القيمة المادية, فجائزة العويس بفروعها المختلفة هي الأكبر من الناحية المادية, لأول مرة تمنح جائزة للشعر مقدارها مئة الف دولار, كذلك الرواية أو النقد, وما نأمله أن تشهد قيمة الجائزة زيادة مضطردة مع مرور الزمن. فجائزة نوبل مثلا قيمتها تتزايد كل سنة طبقا لأرباح الوديعة التي خصصها الفريد نوبل, لقد كان قرار الراحل الكريم بتحويل الجائزة إلى مؤسسة من أذكى القرارات وأكثرها وعيا, لقد أصبحت الجائزة مؤسسة, لها عوائدها المالية وإدارتها الذكية التي تكفل لها الاستمرار. ولكم أرجو أن تسمح موارد المؤسسة في المستقبل بإيجاد بعد دولي يتجه شرقا أو غربا, فيمكن أن تمنح الجائزة لرواية فرنسية أو أخرى صينية أو من أمريكا اللاتينية, أو لعالم في الفيزياء أو الطب أو أي فرع علمي قدم للبشرية إنجازا. إن القيمة المادية المرتفعة تقدم دعما للأدباء في مرحلة متقدمة من العمر تساعدهم على مواجهة أعباء الحياة المتزايدة, وتصبح هذه القيمة مضاعفة إذا لم ترتبط بشروط معينة, وتلك خاصية أخرى تكسب جوائز العويس مصداقية إضافية. من المعروف أنه ما من أديب عربي يمكنه أن يعيش من عائد كتبه فقط, لابد من ممارسة عمل يضمن قدرا من الدخل يمكن للأديب أن يواجه به الحد الأدنى من متطلبات الحياة, ويستنزف هذا جهدا وطاقة, كما أن كثيرا من الأدباء يعانون بسبب مواقفهم العامة, أو لأنهم ليسوا جزءا من الآلة الدعائية للأنظمة التي تحكم بلادهم, وبعضهم يضطر إلى العيش في المنفى. هذه الأحوال كلها تنطبق على معظم الذين حصلوا على جائزة العويس خلال دوراتها المتعاقبة. من العناصر الإيجابية في المؤسسة استمرارية الصلة بالفائزين, فالأديب الفائز بالجائزة لا تنقطع صلته بعد الحصول عليها, إنما تستمر من خلال مبادرات المسئولين عن المؤسسة, مثل طلب ترشيح أسماء أو محكمين, أو طبع بعض الأعمال ممن فازوا بالجائزة, وهذا عنصر إيجابي وذكي. أعود إلى شخصية المرحوم, الراحل, الكريم, إلى بساطته وشفافيته, أتيح لي أن أقترب منه عندما دعانا إلى استراحة له تقع فى منطقة جميلة جدا على البحر بامارة الشارقة, وعندما حان موعد الغداء, دعانا إلى مائدة حافلة تحوي كل ما لذ وطاب من الأطعمة الفاخرة التي نراها في المآدب الكبرى, ويبدو أن أحد الفنادق الشهيرة تولى تجهيزها. إلا أنني فوجئت بالمرحوم يفترش الأرض وأمامه أوان تحوي أطعمة بحرية معدة على الطريقة الخليجية, أسماك من صيد اليوم طازجة, مسلوقة مع أرز وشوربة سمك رائحتها زكية. عندئذ اتجهت إليه. جلست إلى جواره, قلت ان هذا ما أريده بالضبط, فطعام الفنادق أيا كان مستواه يتشابه. لكن طعام أهل البلد هو الذي لن نجده في أي مكان آخر, ليس هذا فقط, إنما السمك المسلوق أنسب الطعام بالنسبة لي, نتيجة اتباعي نظاما غذائيا خاصا, لحظتها رأيت فيه صياد اللؤلؤ القديم وتاجره الخبير, وبالفعل كان الطعام من أشهى ما عرفت, جلوسنا معا شجع بعض الضيوف على افتراش الأرض وتذوق الأسماك شهية المذاق وكان أكثر المتحمسين أدوارد سعيد. كان الرجل هادئا, أميل إلى الخجل, ملامحه مطمئنة, خاصة شيبه الأبيض أتذكره الآن, وأترحم عليه, وأحن, وعندما تنشر هذه السطور أكون في دبي مشاركا في الاحتفال بذكراه, لم أستطع إلا أن البي رغم ظروف خاصة حالت بيني وبين السفر طوال الفترة الماضية, أتذكر وجهه السمح, واستعيد تلك الأبيات التي نظمها الراحل يوما: أحيا وأقر دوما في رسالتنا ان المعلم فينا صنوه القلم ماذا أقول لأرض كنت فلذتها كانت بلا بسمة واليوم تبتسم كانت لنا الأم رغم الجوع ترضينا واليوم فاض على أفواهنا الدسم إلى أن قال رحمه الله: أرض العروبة أرض وهي لي وطن وانتم ها هنا والهم متسم أرض الامارات تلقاكم مرجية فيها السلام وفيها العدل والقيم .. حقا رحمه الله رحمة واسعة.