ليس من شأن الولايات المتحدة او اي دولة اخرى في العالم ان تقرر نظام الحكم في السودان. هذا شأن الشعب السوداني وحده. لكن مبدأ (فصل الدين عن الدولة) الذي تسعى واشنطن لفرضه على السودان يخفي وراءه ما يخفي. (فصل الدين عن الدولة) تعبير مخفف الى درجة التضليل. وقد قصد من هذا التلاعب اللفظي اخفاء هدفين امريكيين: اولا تحجيم دور الاسلام الى درجة الغائه في الحياة الاجتماعية والسياسية. وثانيا, تعطيل دور السودان, بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي الفريد, كمعبر للثقافة الاسلامية العربية الى عمق القارة الافريقية. هذا الموقع الفريد يجعل من السودان جسرا ثقافيا طبيعيا بين شمال القارة وجنوبها. في شرق افريقيا وغربها وجنوبها ميراث اسلامي عربي مطمور عمره يحسب بمئات السنين المتعددة. وعندما دخل الاوروبيون المسيحيون افريقيا جنوب الصحراء ابان القرن التاسع عشر كان الوجود الثقافي الاسلامي العربي هناك قد استقر وانتشر لعدة قرون, ولو صح ان نقول ان لافريقيا السوداء دينا (محليا) فهو الاسلام.. ولو صح ان نقول كذلك ان لها لغة تواصل (محلية) فهي العربية, فأكبر لغتين افريقيتين, وهما السواحيلي في شرق ووسط افريقيا, والهوسا في غرب افريقيا يتكون الرصيد اللفظي لكل منهما بنسبة ما بين 40 الى 60 في المئة من اللغة العربية. اما اعداد المسلمين في افريقيا جنوب الصحراء فهي, كما تقول احصاءات الامم المتحدة, اكثر من اعداد المسحيين. وفي بلدان افريقية كبرى كنيجيريا والسنغال ومالي وتشاد وتنزانيا في الغرب فإن نسبة المسلمين من السكان هي اغلبية تصل في بعضها الى اكثر من 80%. على خلفية حقائق كهذه ووسط تيار عارم للمد الاسلامي واحياء الاخوة الاسلامية الذي ينتظم العالم بأسره.. بجميع قاراته فإن الولايات المتحدة القوة العظمى التي ترسم استراتيجية مصالحها على اساس دولي شامل, اول من يدرك خطورة الموقع الاستراتيجي للسودان في افريقيا وما ينطوي عليه هذا الوضع من خطورة ثقافية فيما يختص بالثقافة الاسلامية العربية. من هذا المنظور نفهم لماذا تسعى امريكا الى مسخ الهوية العربية الاسلامية للسودان تمهيدا لتعطيل دوره العربي الاسلامي كجسر ما بين الشمال والجنوب الافريقيين. في هذا السياق ليس مثار دهشة اذن ان تراهن واشنطن على دعم حركة قرنق ومدها بالمال والسلاح كحركة معادية للاسلام والعروبة في آن معا. في السياق نفسه تسعى واشنطن لفصم السودان عن انتمائه الى محيطه الطبيعي في الشمال الافريقي, وبالتالي انتمائه الى الامة العربية. لكن للمخطط الامريكي في هذا الصدد غاية اضافية. فمحاولة فصم السودان عن الوطن العربي تنطلق ايضا من اعتبارات الالتزام الامريكي الاستراتيجي بالأمن الاسرائيلي. من هذا المنظور يهدف المخطط الى جر السودان الى القرن الافريقي لينضم الى اثيوبيا واريتريا في اصطفاف يتحالف مع اسرائيل ضد الامن القومي العربي. ويرتبط بهذا المخطط اضعاف الامة العربية عن طريق تأليب اقليات غير عربية. ولذا فإن دور حركة قرنق في السودان هو دور الاقلية الكردية في العراق ودور الاقلية البربرية في الجزائر. لقد بلغت قيمة المساعدات الامريكية المعلنة المقدمة الى حركة قرنق حتى الآن نحو 1500 مليون دولار (1.5 مليار) بما في ذلك امدادات السلاح وامدادات الغذاء والاموال النقدية. وإلا كيف يتسنى البقاء والجاهزية القتالية لقوة قوامها نحو 50 ألف مقاتل على مدى 17 سنة؟