ما كادت سيادة التاكسي التي اشرت اليها تتوقف حتى تسرب الي من داخلها صوت كورال فرقة الموسيقى العربية, وهو يغني دور (محمد عثمان) الشهير عشنا وشفنا سنين.. ومن عاش يشوف العجب. هممت بفتح الباب الامامي لأكون قريبا من مصدر الصوت. اعترض السائق لأن المقعد خال من حزام الامان مما يوقعه تحت طائلة القانون الذي بدىء في تطبيقه خلال هذا الاسبوع, فيدفع غرامة خمسين جنيها. شوش صوت السائق على عذوبة اللحن الذي شغفت به منذ سمعته قبل سنوات تعبت من عدها ونسيت ما احصيته منها. اندفع يعلن سنسفيل الحكومة قائلا انها حكومة حرامية اصدرت القانون خصيصا لكي تحصل الغرامات. ولما قلت له ان الهدف من القانون هو حماية حياته, قال: ولكن ثمن الحزام تضاعف سبع مرات خلال يوم واحد, والبلد زحمة وفوق بعضها, والسيارات تتحرك في طابور بطيء كالنمل فلا حاجة بها لحزام امان او هباب, واذا كان ولابد منه, ففي الطرق السريعة لا في داخل المدن. قلت لنفسي: لعل له عذرا وانت تلوم.. عصتني ذاكرتي وضنت علي باسم الذي قال: نصف الناس عدو لمن ولي الاحكام حتى لو كان عادلا, فما بالك اذا لم يكن كذلك. وحين كان الزمان زمانا والقلب شابا لم اكن انسى شيئا. ولم يكن السائق في حاجة الى حزام امان, ولم اكن انا في حاجة لكي اصل الى اي مكان الا لقدمى. في الخمسينيات والستينيات, وربما حتى منتصف السبعينيات, كان شارع كورنيش النيل الذي تسير السيارة الآن بمحاذاته, متعة للعين والقلب, لا تمر عليه ــ معظم ساعات الليل والنهار ــ سوى اعواد قليلة من السيارات. وفيه كنت اتسكع كثيرا وحيدا او برفقة اصدقاء وأحباب. نتأمل سطح النيل, وندندن اغنية الثلاثة بيرم وزكريا وأم كلثوم التي تتغنى بـ (شمس الاصيل التي ذهبت خوص النخيل فأصبحت تحفة.. ومتصورة في صفحتك يا نيل)! واكثر من مرة, عقدت الخلية السرية التي كنت عضوا بها اجتماعها على احد مقاعد الكورنيش الحجرية, وتطبيقا لقواعد الامان الصارمة, التي تأخذ بها التنظيمات السرية, فقد كنا نتوافد فرادى الى المكان, ليجلس كل منا على نفس المقعد الحجري المستطيل كما لو كنا غرباء لا يعرفون بعضهم البعض.. وتأكيدا لذلك يتجه الاول والثالث بوجهيهما نحو النيل.. ويتجه الثاني والرابع بوجهيهما نحو الطريق, لكي يتمكنا ــ كذلك ــ من رصد اية رقابة شرطية لنا, عبر الطريق الخالي تقريبا من السابلة. وعلى هذا الشكل كانت مناقشات الاجتماع تستمر, همسا لمدة قد تطول لساعتين مليئتين بالتوتر والخوف خشية المطاردة, نهدم فيهما العالم ونبنيه ونخطط لمدينة فاصلة, ليس فيها جائع ولا مظلوم, وليس فيها عريان ولا محروم, ونحلم باليوم الذي تمنحنا الحكومة فيه, منديلا ــ او حزام ــ الامان, فنعقد اجتماعاتنا علنا ونقول ما نريد من دون ان تتهددنا المنافي والسجون, او المجالد والمحارق.. ولا نذهب الى شاطىء النيل, الا لكي نلتقي حبيباتنا فنغازلهن بما نحفظ من شعر, او ما نظمناه فيهن من قصائد, ونتأمل شمس الاصيل, وهي تذهب خوص النخيل وتنعكس على وجوهن, لتصنع من ذلك كله تحفة تتموج فيها صفحة النيل. الآن لا اكاد ارى صفحة النيل من مجلس بالسيارة, بسبب طوابير النمل المتراصة عن يميني وعن يساري, وعشرات البواخر السياحية والنوادي الخاصة التي اقيمت على شاطئيه لتحتكر التحف التي تتصور على صفحته عند الاصيل. اما احلام صبانا, فقد شاخت وتكرمشت كما تجعد وجه حبيبتي الاولى, وتطرمت اسنانهما في سنوات متقاربة خلا شاطىء النهر من المتمردين والعشاق, ولم يعد احد يجلس على مقاعد الكورنيش الحجرية, لكي يحلم وهو يتأمل شمس الاصيل, او لكي يسمع حبيبته قصيدة شعر, والحمد لله انني حرقت ما كتبته من اشعار غزل في حبيبتي الاولى, اذ لو نشر اليوم مع صورة حديثه لما آل اليه حالها لكانت فضيحة تميد لها رواسي الجبال ومسخرة يضحك لها الندمان, ويسير بذكرها الركبان. لدى السائق الآن حزام امان, ومع ذلك فهو يسب ويلعن, ومعنا نصف منديل امان, ومع ذلك فلا احد يحسن استخدامه الا في الهجوم على الآخر عند كل خلاف في الرأي, بحملات التشهير احيانا وبالمدي والقنابل احيانا اخرى. وباللجاج والعناد في كل الاحوال بدلا من التعاون معا في الحصول على نصفه الآخر.. فليشمت الذين ضنوا علينا بمنديل الامان عقودا, ولتبتل صدورهم فرحا, فقد اثبتنا انهم كانوا على حق, حين سلبونا الامان بدعوى اننا لا نستحق الحرية, ولا نعرف كيف نمارسها. كنت افكر في سبب هذه المفارقة, حين تعالى صوت كورال الموسيقى العربية, يكرر مطلع الدور عشنا وشفنا سنين ومن عاش يشوف العجب شربنا الطرب, والانين جعلنا في روحنا طرب, غيرنا تملك وصال, واحنا نصيبنا الخيال, كده العدل يا منصفين؟! وكانت المجموعة لا تزال تكرر تساؤلها الاستنكاري ذاك حين وصلت الى مقصدي ونزلت من السيارة تلكأت وانا احاسب السائق حتى استمتع بقفلة الكوبليه. قلت له مسترعيا انتباهه الى الاغنية والله عندهم حق. لم يفهم الاشارة, امسك بالحزام واخذ يشده بعصبية وصرخ في وجهي! حق ايه دول ولاد (........). حثثت الخطى حتى لا اجد نفسي متورطا كمتهم او كشاهد اثبات في قضية ازدراء احدى هيئات الحكم! دخلت مكتب الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب في الموعد المحدد لبدء الاجتماع, فوجدت اكثر من عشرة من الكتاب والصحفيين والمثقفين, بعضهم ينتمي الى جيل الستينيات مثلي, وآخرون ينتمون الى جيل الخمسينيات مثل الدكتور سمير نفسه, وعدد قليل من اجيال تالية, تبادلنا القبلات والاحضان والسلامات والتهاني والتمنيات بمناسبة الاعياد. قال لي واحد: ان شاء الله السنة الجاية تتحقق كل احلامك. قلت له: تعيش وتفتكر. حين تحلقنا حول منضدة الاجتماع عرفنا من الدكتور سمير سرحان انه قد دعانا لاجتماع تشاوري حول البرنامج الثقافي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يفتتح في الاسبوع الاخير من هذا الشهر, والذي تقرر ان يكون المحور الرئيسي لندواته حول الدعوة التي اطلقها الرئيس مبارك بالعمل على (تحديث مصر) وانه يريد ان يستنير بآرائنا (القيمة) في عناوين تلك الندوات. وخلال دقائق كانت المنضدة تزدحم بالاحلام. جمال بدوي: تحديث الادارة. نوال مصطفى: تحديث وسائل اعداد وتنشئة الجيل الجديد. مصطفى نبيل: لماذا فشلت تجارب التحديث في القرن الماضي نبيل اباظة وصلاح عيسى: تحديث النظام السياسي والدستوري ومنظورة القيم الخلقية الفردية والجماعية. سامي خشبة: تحديث التعليم. جمال الشاعر: تحديث وسائل الاعلام والاتصال. واصرت (عزة هيكل) على ان يتضمن البرنامج ندوة عن تحديث نظرة الرجل للمرأة يكون عنوانها تحرير الرجل. اقترحت عليها ان تحتفظ بالعنوان لكتاب تؤلفه وأنا اضمن لها ان يصبح اشهر من كتاب قاسم امين (تحرير المرأة), وأضمن لنفسي من الطيب نصيبا اذ سوف اؤلف كتابا اعارضه به بعنوان (تحرير الرجل من المرأة). انفجر بخار الحلم المحبوس مختلطا بمحبط الاحلام ومحترق الآمال. انحنى الخيط الرفيع بين اقتراح عناوين لندوات عن تحديث مصر وبين وضع برنامج لهذا التحديث. تشابكت الافكار واختطلت ودخلت في تفصيلات حتى فكرت في ان اقترح على سمير سرحان, ان يطلب لنا دستة من احزمة الامان حتى لا تقع مصادمات. اقترحت فتح مناقشة حول تجديد التيارات الرئيسية للفكر العربي ومر الاقتراح بلا حوادث. لكن ذلك لم يحدث حين اقترحت ان يكون من بينها ندوة عن تحديث دور مصر الاقليمي.. قال واحد: يعني ايه يعني تحديث فكرة الوحدة العربية. قال: انسى فتحت راديو الخمسينيات في قلبي فأتاني صوت عبدالناصر يقول في خطاب اعلان الوحدة المصرية السورية عام 1958 (لقد قامت دولة كبرى في هذا الشرق.. ليست عادية عليه ولا مستعدية. دولة تصون ولا تبدد, توحد ولا تفرق, تحمي ولا تهدد, ترد كيد العدو, وتشد ازر الصديق). ادرت المؤشر فأتاني صوت (نازك) تغني: نسيت والدنيا بتنسى.. قسيت والدنيا بتقسي. وان مرة تزور عش الهوى المهجور سلم على قلبي عدت من سرحتي لاجد لويس جريس يتكلم مطالبا بالتركيز على دور للشباب في تحديث مصر, ونقل لنا صحفي شاب ممن كانوا يعملون معه حين كان رئيسا لتحرير مجلة (صباح الخير) قوله ان الجيل الماضي يكبس على انفاس الحاضر والمستقبل, وأنه اجرى حسبة اكتشف منها انه لن يصل الى منصب رئيس التحرير الا بعد ثلاثة اجيال يكون خلالها قد اصبح جدا. وأضاف ان جيل المعلمين الكبار الذين كانوا يحرصون على تسليم الشباب مواقع القيادة قد انقرض, وتذكر انه كان في الرابعة والعشرين حين تولى رئاسة تحرير اربعة اعداد من مجلة صباح الخير, وكان رئيس تحريرها احمد بهاء الدين قد تلقى دعوة للسفر الى موسكو, لمدة شهر, ولما اعترض صاحب المجلة احسان عبدالقدوس على سفره الطويل والمجلة لا تزال حديثة الصدور, كلمانه بأنه اختار بديلا عنه. ولم يصدق احسان ان هذا الشاب الصغير يستطيع ان يدير المجلة, ولكنه وافق مكرها. وكان لويس مرعوبا من المسئولية ولكن بهاء استدعاه قبل سفره بيوم وسلمه مواد اربعة اعداد كاملة من المجلة وطلب اليه ان يقدمها موضوعا بموضوع الى احسان حسب ايقاع العمل العادي, بما يعطيه الانطباع بأنه الذي خطط لها واشرف على تنفيذها, وحدد له اثنين من زملائه, ليقوما باجراء تحقيقات اذا وقع حدث مهم يتطلب ذلك. فتحت الحكاية شهية سمير سرحان للكلام, فترك القلم الذي كان يسجل به الاقتراحات, وتذكر انه كان لا يزال حديث التخرج من الجامعة, حين دعاه استاذه الدكتور رشاد رشدي لكي يشارك في تحرير مجلة (المسرح) وطلب اليه ان يجري حوارا مع (توفيق الحكيم) فحاول ان يتملص من التكليف الذي شعر انه ليس اهلا له. ولكن رشاد رشدي شجعه كما استقبله الحكيم ببشاشة ازالت مخاوفه, وطلب اليه ان يترك له نسخة من الاسئلة ــ التي امضى اياما يعدها حتى يفكر في الاجابة ثم يعود اليه بعد يومين لاجراء الحوار.. وهو ما حدث وبدلا من ان يجيب الحكيم عن اسئلته, اخذ اولا يسأله عن دراسته وقراءاته وآرائه لمدة ساعتين, اخرج بعدهما من درج مكتبه, اوراقا مكتوبة وقال له: انا كتبت لك الاجابة عن اسئلتك. واضاف سمير سرحان انه كان وبقية زملائه من تلاميذ رشاد رشدي لا يزيدون على 24 طالبا يعرفون بعضهم البعض ويعرفهم هو بالاسم وكان لديه الوقت لكي يعلمهم ويناقشهم ويستضيفهم في بيته, اما الآن وبعد ان اصبح هو نفسه استاذا بالجامعة فإن عدد طلبته يزيد على ستمئة طالب وطالبة, لا يعرفون بعضهم البعض, ولا يستطيع هو نفسه ان يتعرف عليهم. وقال: الدنيا بقيت زحمة. وصرخ السائق: البلد فوق بعضها... ايه لازمته بقى حزام الامان؟ وغنتني الست منيرة المهدية طقطوقة: علشان كده.. علشان كده. وحتى لا انسى كتبت في ورقة امامي (مطالبة سامي خشبة بكتابة مقال لجريدة (القاهرة) بعنوان جنائزية في وداع مجلة الآداب البيروتية قبل ان اعقب على ما رواه لويس جريس وسمير سرحان قائلا: انتما تتحدثان بالطبع عن تهيئة الشباب لتولي القيادة وليس تسليمها له خبط لزق! اما لماذا تحفظت فأنني اشعر ان كثيرين من الشبان الذين يلحون على تولي مراكز القيادة, يكونون عادة اقل الناس اهلية لها, فطموحهم للوصول اكثر بكثير من مواهبهم وما يبذلونه من مجهود لكي يؤهلوا انفسهم لهذا الوصول, اقل بكثير من طموحهم, على العكس من الشباب الذين يمكن ان يكونوا صالحين لهذه القيادة, ممن يحاولون تجويد عملهم, ويوائمون بين طموحهم وجهدهم, وبين رغبتهم في الوصول, وما يتطلبه هذا الوصول من صبر وتدرج وجهد شاق. انفرط عقد الاجتماع, وتركنا الغرفة وقد ازدحمت بعناوين ندوات الاحلام, وبعد خطوات من مغادرتي لها فكرت في ان اعود لاضيف اليها ندوة بعنوان (تحديث شارع الكورنيش ليعود الى ما كان عليه في الخمسينيات والستينيات خشيت ان يتهمني احد بالرجعية فعدلت عن الفكرة. عزتني نازك وغنتني وان رحت مرة تزور عش الهوى المهجور.. سلم على قلبي)! لم انتبه الى انني نسيت ان اطلب من سامي خشبة كتابة المقال, الا بعد ان عدت الى شارع الكورنيش انتظر تاكسيا يعيدني الى بيتي.. كنت قد قرأت في الصباح خبرا يقول ان الدكتور سهيل ادريس صاحب مجلة (الآداب) البيروتية قد نشر بيانا في العدد الذي صدر منذ اسبوع يعلن فيه انه العدد الاخير, وان المجلة ستتوقف عن الصدور بسبب ما تواجهه من منافسة, وما تكبده في اصدارها من خسائر لم يعد له قبل بها, وأنه سيعيد اصدارها, لو توفر له العدد الكافي من الاشتراكات الافراد والهيئات والمؤسسات. احزنني الخبر, وتذكرت بيانا مشابها نشره احمد حسن الزيات في العدد الاخير من مجلة الرسالة التي توقفت لنفس الاسباب عام 1953. كنت تلميذا في المدرسة الاعداية حين ادركت الاعداد الاخيرة من الرسالة بعد ان شاخت وتدهورت احوالها فاسمر ورقها واخشوشن, وهبط مستوى مقالاتها ولم احزن عليها الا بعد, نهض الجيل الذي عاصر ايامها الذهبية, يودعها بمرثيات مطولة, تتحدث عن الدور الرائد الذي لعبته على امتداد ثلاثين عاما, كانت خلالها المجلة الثقافية الاكثر انتشارا وتأثيرا في كل انحاء الوطن العربي, يلتقي على صفحاتها كل الكتاب والادباء والقراء المهتمين بالادب والثقافة من المحيط الى الخليج. فيتعرف كل منهم على ابداع الآخرين في الشعر والقصص والنقد, ليكتشفوا انهم ابناء ثقافة واحدة, تتنوع روافدها في زمن كانت فيه وسائل الاتصال بين الشعوب العربية لا تزال شبه بدائية. وازداد حزني عليها حين قرأت فيما بعد مجلداتها خلال سنوات الفتوة والتألق. لكن صدور الآداب ما لبث ان عزانا عن فقدها.. وكان صاحبها سهيل ادريس مثقفا لبنانيا شابا درس الادب في باريس كما فعل احمد حسن الزيات وعاد الى بلده ليؤسس المجلة عام 1953 ــ لتجمع كما كانت الرسالة تفعل ــ بين الاصالة والمعاصرة وبين القديم والجديد, وتحاول ان تخلق وشائج بين روافد الثقافة العربية بأن تفتح صفحاتها لكل الادباء والمثقفين العرب من المحيط الى الخليج.. وأن تواصل الدور الذي كانت تقوم به (الرسالة) في الجمع بين الثقافة العربية, والثقافة الاوروبية, وخاصة الفرنسية, وعلى صفحاتها وعبر منشورات الدار التي كانت تحمل اسمها عرف جيلنا سارتر وسيمون دي بوفوار وأراجون ودوبرييه وناظم حكمت ولوركا وبوليزير وفرانز فانون, وعرفنا ادباء عرب من المحيط الى الخليج. بدأت قارئا للآداب ثم اصبحت كاتبا فيها قبل ان التقي بصاحبها بسنوات طويلة كنت اكتب المقال واجوده قدر ما استطيع وارسله له بالبريد فأجده منشورا قبل ان يكون لي اسم او وزن ومن دون اسأله مكافأة وكانت سعادتي غامرة يوم ارسل لي خطابا بخط يده يكلفني فيه بكتابة مقال عن تاريخ القضية الفلسطينية لعدد خاص كان يخطط لاصداره ويخطرني فيه بأنه سوف يدفع لي خمسة جنيهات بدلا عن المجهود الذي سوف ابذله فيه وامضيت ستة اسابيع اقرأ واكتب واعيد القراءة والكتابة لأفهم الموضوع قبل ان اكتب عنه, وارسلت له المقال فنشره وكان دراسة طويلة استغرقت صفحات كثيرة من المجلة. وكانت سعادتي بنشره وبأنني قد فهمت الموضوع اثناء محاولتي كتابته, لاحد لها.. وحين وصلني خطاب منه يقول انه تقديرا منه لما بذلته في الكتابة قد رفع البدل الى عشرة جنيهات ويرجوني ان اواصل الكتابة في الآداب مشيت في الارض مرحا ودعوت فتاتي الى نزهة على شاطىء النيل. منذ سنوات تلقيت خطابا من ابنه الدكتور سماح ادريس يقول له فيه انه تولى رئاسة تحرير المجلة التي تعرضت لما تعرضت له الصحف اللبنانية من متاعب بسبب الحرب الاهلية ويدعوني للمشاركة في تحريرها بحكم العشرة القديمة, ومع انني نويت ان افعل الا انني لم استطع ان افي بما عاهدت نفسي عليه. الآن تسقط (الآداب) كما سقطت احلامنا وتحترق كما احترق عمرنا وتشيخ كما شاخت حبيباتنا, فنعجز عن ان نفعل شيئا ينقذها, الا البكاء على الاطلال! توقف التاكسي امامي هممت بفتح الباب الامامي. قال السائق ضاحكا: يا بيه الله يخليك خليك ورا.. احنا مش ناقصين غرامات ما فيش حزام هنا. اكتشفت انه السائق نفسه. قال: شوف الدنيا صغيرة ازاي؟ لدهشتي كان الكورال لا يزال يتصاعد بلحن محمد عثمان وهو يقول في ختامه (سلامي عليك يا زمان) تمام الهنا والامان بصفو الاحبة العزاز... سألت نفسي: ترى ما الذي يشغفني بهذا اللحن؟ ألانه يحزنني عن زمان مضى, ام لانه يبشرني بزمان سوف يأتي؟ ولم اعثر على اجابة!