لم تعد دول (مجلس التعاون الخليجي) مجرد تجمعات بشرية تعيش على (ضفاف) بئر ضخمة تفيض بالنفط, كما كان ينظر اليها البعض في مرحلة معينة من الماضي, بل اصبحت هذه الدول الآن ينظر اليها بوصفها تجربة سياسية، واجتماعية فريدة, بلغت شأنا رفيعا في بناء الانسان وتطوير المجتمع, حتى انتشرت على مساحة دول مجلس التعاون مظلة من الرفاهية الاقتصادية والنهضة المجتمعية, كان هدفها دائما الانسان الخليجي, وغايتها ضمان مستقبل اوفر حظا لابنائه. ولعل هذه التجربة الفريدة في (أنسنة) الثروة هي ما دفع رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ليقول في مؤتمر صحافي, عقب تشكيله وزارته الحالية منذ بضعة اشهر, انه يريد ان يجعل من لبنان دبي) اخرى! وكلنا يعرف ان لبنان ــ فيما قبل حربه الاهلية ــ كان على مدى عقود من الزمن قبلة الاقتصاديين والملاذ الارحب لرجال المال والاعمال. ولكن ها هو لبنان يسعى للعودة مجددا الى الامساك بالحبل ليشغل مكانه المعهود, في اقتصاد المنطقة والعالم. وما يلفت النظر في كلام الرئيس الحريري, انه يصرح برغبته في ان تقتدي التجربة الاقتصادية اللبنانية بتجربة خليجية نهضت وترعرعت في مدينة دبي التي اصبحت الآن من المدن الاقتصادية المهمة في العالم, ما يعني ان الخليج قد فارق صورته القديمة كمجرد بئر نفطية, ليصبح نموذجا اقتصاديا وسياسيا يمكن ان يكون قدوة لدول عربية اخرى رائدة في المجالين السياسي والاقتصادي. ومثلما يحتاج الفرد العادي الى فترة من الزمن لكي ينضج, فإن تجارب الدول ومشروعاتها تحتاج كذلك الى مراحل زمنية حتى تبلغ مرحلة النضج ومواجهة التحديات المختلفة, ومن هنا فإننا نجد في تجربة مجلس التعاون الخليجي من مظاهر النجاح والاخفاق ما يستحق التوقف عنده ومناقشته. وقد جمعتني مع الصديق عبدالله بشارة برنامج حواري في اذاعة قطر يوم الخميس الماضي حول نتائج القمة الاخيرة, وكانت هناك مداخلات عدة من الجمهور العام غلب على معظمها عبارات النقد الجاهزة. وتصور وجود ثغرات كبيرة في مسيرة (التعاون) وربما تعود هذه اللهجة الانتقالية الى الفجوة بين طموحات الناس وآمالهم التي كانوا يتوقعون من المجلس تحقيقها في العشرين عاما الماضية من عمره, وبين ما استطاع المجلس تحقيقه بالفعل في ظل ملابسات دولية وظروف اقليمية معقدة وصعبة. ولأن المتابع لا يمكن ان يجعل من نفسه وكيل نيابة يواجه الاتهامات, ولا محاميا تكون مهمته اعطاء (براءة ذمة) للمجلس كما لا يتفق مع المنطق والواقع ان يصنع من نفسه مخرجا يوزع الادوار عى الممثلين بأثر رجعي, او يفرض وصاية سابقة التجهيز على مسيرة المجلس, فإن من الواجب ان نتخلى عن اصدار الاحكام المرسلة بين اتهام وانتقاد, حتى يمكننا ان نقوي هذه المسيرة وندفعها قدما لتحقيق مصالح الخليجيين والعرب جميعا. ولعلني في ضوء المناقشات المطروحة في الاجتماعات السابقة واللاحقة بمؤتمر القمة يمكنني ان اشير الى ثلاث قضايا مهمة لفتت نظري في البيان الذي صدر عن القمة الخليجية الاخيرة: القضية الاولى هي الحديث عن الاقتصاد وهو حديث مهم ومركزي, فالاقتصاد هو عصب حياة اي شعب, وفي قلب الاقتصاد الخليجي تقع دورة النفط واسعاره. ولا يختلف احد على ان انتعاش الحياة الاقتصادية في منطقة الخليج او انكماشها, هما امران يعتمدان اساسا على هذه الاسعار, والتي هي بدورها ترتبط بعدد من المتغيرات يقع اغلبها خارج دائرة الارادة الخليجية, وبعيدا عن نطاق قدرة دول الخليج, فارتفاع وانخفاض اسعار النفط بصورة مفاجئة فيمايمكننا تسميته باقتصاد (اليويو) يؤثر في استقرار الدخل القومي لدول المجلس, وهو ما يظهر تأثيره في مختلف مجالات ومناشط الحياة في المجتمع الخليجي, فينسحب عدم الاستقرار على بقية العوامل التي برتبط بها القرار الخليجي سياسيا واجتماعيا... وحتى ثقافيا... الخ. من هنا جاء الحرص على الحديث عن الوحدة النقدية والجمركية والتجارية. ومن منطلق فهم بعض دول الخليج لأهمية الاقتصاد في دعم الاستقرار اتخذت من جانب واحد خطوات اسرع باتجاه التكامل الجمركي كمدخل اساسي للمسيرة الاقتصادية الطويلة, كما بدأ البعض من هذه الدول في تذليل العقبات التي تعوق التملك والعمل. ويحتاج الموضوع الاقتصادي برمته الى بذل جهود كثيرة باتجاهين الاول اشاعة الوعي باهميته وحيويته وضرورته العاجلة, والثاني تقليص ومحاصرة البيروقراطية التي هي بطبيعتها تعرقل الانفتاح وتقاوم مثل هذا التقارب الاقتصادي, وهي بيروقراطية كبيرة نشأت في دول الخليج بسبب السياسات المتبعة في التوظيف, من منطلق ان الدولة هي رب العمل الاكبر. لكن هاتين المهمتين الكبيرتين (اشاعة الوعي ومحاصرة البيروقراطية) ينبغي الا تضطلع بهما الحكومات وحدها, فهما تتطلبان جهودا متضافرة ما بين الحكومات من ناحية, والمؤسسات الاهلية وكل الحريصين على مسيرة (التعاون) من ناحية اخرى. القضية الثانية التي لفتت نظري في البيان الختامي للقمة هي اهتمامه بالعنصر البشري, باعتباره الهدف المحوري لأي مشروع تنموي. ولقد جاء ذلك في موقعين: الاول قبول الخطة المشتركة لتطوير مناهج التعليم التي رفعها وزراء التربية والتعليم والمعارف الى اجتماع القمة, تمهيدا لوضعها موضع التنفيذ. والموقع الثاني هو الخاص بتوجيه الهيئة الاستشارية الشعبية للمجلس الاعلى الى النظر في (تطوير المنظومة التعليمية الشاملة). فتطوير العنصر البشري علميا وثقافيا هو اكثر الهواجس الحاحا على الكثيرين, لأن البشر عندما تتكامل الخطط الموضوعة من اجل تكوينهم وتعليمهم وتثقيفهم وتدريبهم, يمكنهم قيادة المنطقة في المستقبل الى آفاق ارحب وهي نظرة تطورية لا تجعل التنمية الثقافية للعنصر البشري مجرد قيمة مضافة الى العمل والانتاج (برغم اهميتها) ولكن ايضا تنتهجها بوصفها استراتيجية يتحتم الاخذ بها حفاظا على بقاء الاوطان وتطورها. كان حريا ان نرى اشارة في البيان الختامي حول الاهتمام بالطفل والشاب في هذه المنطقة التي تعتمد على ثورة ناضبة مهما امتد عمرها. ولا شك ان استخدام الثروة المتاحة الآن لتدريب وصقل الجيل الجديد, سوف يخلق ثروات جديدة ومستمرة, تستطيع ان تقدم سندا لأشكال الحياة المستقبلية في هذه المنطقة, ليس بالمفهوم الاقتصادي فحسب, بل والسياسي والثقافي والامني ايضا. اما القضية الثالثة التي لفتت نظري في البيان الختامي فهي ان البيان طالب العراق بتلبية بقية قرارات مجلس الامن ذات الصلة باحتلال الكويت, والتخلي عن لهجة التهديد, واشار البيان نفسه الى ان المجلس يجدد (ترحيبه المستمر واستعداده للمشاركة في كل مبادرة انسانية تسهم في تخفيف المعاناة عن الشعب العراقي, مؤكدا عزمه على مواصلة جهود دول المجلس الهادفة الى رفع تلك المعاناة في اطار القرارات الدولية). هذه الفقرة الى جانب غيرها من العبارات التي اقرت احترام وحدة اراضي العراق وسلامته الاقليمية تدل على التعامل الحضاري الرفيع البعيد عن التشنج والغلو, بينما يصر الطرف الآخر على التصعيد اللفظي كلما اتيح له ذلك. ولا شك في ان موقف (التعاون) من هذه الزاوية ينسجم مع المسيرة الدولية التي تنبذ العنف وتسعى حثيثا باتجاه التنمية. البيان طويل وفيه الكثير من النقاط وكذلك الاعلان الذي رافقه. وربما يرى البعض ان هناك نقاطا جوهرية لم ألمسها, لكنني قصدت فقط الى تركيز الضوء على ما وجدته لافتا للنظر وله أولوية لتمهيد الطريق الطويل لهذه المسيرة. هناك الكثير كما قلت من المطالب الشعبية المطلوب تحقيقها, بل ان هناك الكثير من الخطط والرؤى التي تقدمت بها بعض الدول لم تجد استجابة لدى اطراف اخرى في هذا الوقت, كل ذلك محبط للحكيم ومحير للعاقل. ولكن ان تعقد القمة في مواعيدها لمدة احدى وعشرين سنة متتابعة, لهو دليل على حرص الاطراف المكونة لمجلس (التعاون) على استمراره قويا, واتفاقهم ليس فقط على اهمية هذه اللقاءات بل وضرورتها ايضا. كما ان عقد مؤتمرات (القمة) هذه السنوات الطوال من دون تغييب اي طرف (بالرغم من وجود خلافات ثنائية بين بعض اطرافه) هو امر يدل بالقطع على ان هذا المجلس قد تجاوز مرحلة التكوين, واتخذ خطوات بعيدة على طريق النضج والاكتمال.