في دنيا الأدب والعلم مراتب وطبقات يصنف اليها الأفراد تماما كما يصنفون في دنيا المجتمع الى فئات وطبقات.. وحين تدرك المرء كما يقولون في التراث حرفة الأدب أو مهنة الاشتغال بالدرس والعلم والتحصيل.. فهو يبدأ في زماننا على الأقل بلقب متأدب وكأنه يطرق أبواب هذا الصرح الخطير الذي يسمونه بدنيا العلم والأدب.. وقد كان الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب مجلة (الرسالة) الشهيرة التي وضع لبناتها المباركة وتربى على سطورها المضيئات أجيال من بعد أجيال في الوطن العربي منذ صدورها في عقد الثلاثينيات كان مسئولا عن اصطناع لقب (أديب) تخلعه الرسالة على كل من يشارك في تحريرها سواء من مقاعد المحررين المشتغلين أو من أبواب القارئين المراسلين.. أي واحد يبعث الى الرسالة.. بمادة تصلح للنشر فهو إذن (أديب) بإذن الله حتى ولو كان ناشئة مجهولا.. طبعا مع الاحتفاظ بالألقاب التي كانت مستقرة منذ تلك الحقبة.. الدكتور طه حسين.. الدكاترة زكي مبارك.. الأستاذ عباس العقاد.. فضيلة الشيخ فلان من علماء الأزهر الشريف.. الخ, وبعد أن يتمرس الأديب الناشئ بالحرفة الأدبية والمهنة الابداعية وإذ يبدأ اسمه في الذيوع والانتشار في المحافل الأدبية على الأقل يبدأ في حمل لقب (الأستاذ) وقد يزخرفون اللقب حسب مقتضى الأحوال.. فاذا بالمادة التي قدمها تلفزيون مصر المحروسة في مهرجان رمضان الماضي أن استجدت عادة تقضي بأن يحرص الأخوة القائمون بحكاية اعداد البرامج بأن لا يكتفي الواحد منهم بلافتة (إعداد.. فلان الفلاني) على نحو ما كانت تقضي به المقادير وأصول صنعة التلفزة عبر عقود طالت من الزمن.. بل أصبحت اللافتة إياها تقول إعداد الصحفي (علان الفلاني) ومهم جد حكاية الصحفي هذه التي بات الإخوة المعدون يحرصون على التلقب بها.. على أساس أن ليس هناك أحدا أحسن من أحد.. وأن الناس سواسية.. وخاصة في مجال النشر المنشورة تحمل لقب الشاعر المفلق والناشر النابه والأديب الوذعي أو الألمعي وكانوا بهذا يختزلون كتّر الله خيرهم الألقاب القديمة التي تكاد تثير الضحك أو الغيظ أو نفاد الصبر من فرط مبالغاتها وطول سطورها وكانت تبدأ بحكاية العلم العلامة والحبر الفهّامة. وإذ يوغل صاحب القلم في أصول الحرفة.. يحرص من جانبه فيما قد يحرص الناس على أن ينعتوه بوصف الكاتب فلان.. واذا كان ممن يرتزقون من مهنة الصحافة فهو سيادة الكاتب الصحفي.. فلان.. وقد يلفت النظر في المواد والبرامج العامة.. وقد وعت الذاكرة مثلا أفرادا كانوا ينتمون الى قبيلة الصحافة والكتابة كانوا يتمسكون على العكس بلقب المحامي يوم كانت المحاماة تمثل في أحيان كثيرة الباب الملكي الى مناصب عليا وخاصة قبل أيام العم جمال عبدالناصر غايتها الوزارة.. أو هي نيابة البرلمان في أقل القليل.. هنالك ظل صحفي مخضرم مثل فكري (باشا) أباظة يمهر مقالاته في (الأهرام) أو في (المصور) بتوقيع: (فكري أباظة.. المحامي) وظل مؤلف إذاعي كان رائدا في حكاية المسلسلات البوليسية المشوقة لملايين المستمعين من راديو القاهرة يذيع اسمه على أنه محمد كامل حسن.. المحامي وهل ننسى شاعر الجندول وكليوباترا وفلسطين (أخي جاوز الظالمون المدى) وقد كانوا يقدمونه في أربعينات القرن الماضي بأنه (علي محمود طه.. المهندس) وقد كان ذلك شيئا عجيبا أو متناقضا ولكنها مصادفات القدر التي جعلت علي محمود طه صاحب ديوان (الملاح التائه) وهو من أروع ايقاعات الشعر العربي رقة وعذوبة وموسيقى ورومانسية يتعيش في الأصل من وظيفة مهندس.. لا في فن تنسيق الديكور ولا حتى في باب هندسة المعمار بتصاميمه الفنية البارعة ومنها ما قد يحلق في أجواء الخيال ثم يترجم أشواق الروح الى صروح بالغة الروعة والجمال.. الحقيقة أن الشاعر العذب الرقيق الرومانسي علي محمود طه كان معنيا برصف الطرق بمواد الزفت والملاط والقطران إذ كان مهندسا في مصلحة التنظيم. ويخيل الينا أن كثرة ترداد لقب (صحفي) وخاصة على ألسنة فصائل وسلالات معدي البرامج المتلفزة بكل ركاكتها وهيافتها.. بدأت تدفع البعض الى محاولة الجمع بين الحسنين كما تقول.. فإذا بالناس في زماننا هذا يصطنعون لنا لقب (كاتب صحفي) وهو لقب يقصد لو يضفي مسحة أو فلنقل ظلا من التوقير على مهنة الصحافة.. وكأن القوم يقولون لك ولو على استحياء: ــ إياك أن تظن أن داعيكم مجرد صحفي يقتنص خبرا هنا أو تصريحا هناك.. أو أن قلمه الصحفي يقتصر على صياغة مانشيت أو توضيب زاوية في (الجرنان) أو كتابة حادثة عن جريمة في باب الحوادث والقضايا.. إن أمر الكاتب.. الصحفي أخطر من هذا وأدهى إن لم يكن أنكى بكثير.. هو أولا يسود الصفحات الطوال ويرصعهن بزبدة الأفكار وخلاصة الطروحات ورحيق المقولات مستفتيا في ذلك أحدث المراجع وأرصن الإحالات ولا بأس من أن يفاجئ قارئيه بصياغات مستجدة ومسبوكات لغوية لم يسبقه اليها أحد (أغلبها منقول يعلم الله بالترجمة عن أهل الغرب) ثم اذا به فوق هذا كله يطالع القراء الطيبين المسالمين بصورته (طلعته البهية) منشورة على رأس الموضوع التحليلي الشديد العمق وقد يحلو له, أو لجريدته أن تكون الطلعة المذكورة أعلاه على هيئة تأملية واضعا الكاتب الصحفي قبضة يده تحت رأسه في وضع تفكيري عميق (كما في صورة تقليدية لأمير الشعراء أحمد شوقي) أو مشيرا بأصبعه السبابة الى دماغه كناية على أن الأفكار الناصعات تنبع من هذا (ربما تأسيا بصورة شهيرة للزعيم المصري سعد باشا زغلول جريا على عادة التصاوير العجيبة والأوضاع الفوتوغرافية الغريبة في أوائل القرن العشرين وبعضها يثير الضحك في أيامنا هذه وقد نفرد لها حديثا سوف يطول في هذه الزاوية يوما إن شاء ربك من الأيام). ويعلم الله أن حكاية السيد الكاتب.. الصحفي هذه تكاد تكون من البدع التي تتفرد بها صحافة اليعاربة قومنا الميامين. ويعلم الله كم أن القوم في الغرب أمريكا بالذات يعتزون كثيرا بلقب (صحفي) (جورناليست) ومهنة الصحافة (برس) إيما اعتزاز.. أولا لأن الصحفي هو الذي يعمل في قطاع الميديا الاعلامي بشكل شامل عام.. لا تتحيز يومئذ بين أهل الجرائد المكتوبة والعاملين في الراديو أو التلفاز فالكل إن شاء الله صحفيون.. وثانيا لأن التأهل لحمل لقب (صحفي) دونه خرط القتاد كما قالت العرب, بمعنى الراحل واستعدادات ومواهب و(مرمطة) يطول عليها الأمد تبدأ من أدنى السلم في مواقع الميديا الاقليمية شبه المجهولة في مناطق نائية.. ومن ثم يكون التدرب والتدرج والتعلم والتأهيل الى حيث الممارسة الأوسع وعلى مستوى صفوة مهنية منتقاة على فرازة التجربة وعبرة محكات الاداء حيث الواسطة لا تنفع.. والزلفى لا تفيد وحيث الحكم يومئذ.. للجمهور.. وأخيرا.. فالصحافة عند مجتمعات اصدقائنا الفرنجة سلطة بكل ما للسلطة من نفوذ وقوة وفعالية وتأثير وبفضل هذه المكانة تكتسب كلمة الصحفي قوتها واحترامها فيما ترتب على كاهل الصحفي وليس غيره مسئوليات جساما في أن تأتي هذه الكلمة مستندة الى حقائق وبحوث واستقصاء وتحريات يبذل دونها كل جهد جهيد, الصحفي بهذه المعاني هو صائد الخبر وهو صائغ الحدث وهو القائم على أمر البرنامج المتلفز بحثا واعدادا وتقديما وما خلاف ذلك فهو محلل وكاتب وباحث ومعلق وكفى الله المؤمنين. بهذا المعيار يفهم الاستاذ الكبير هيكل أن الصحفي هو (جورنالجي.. أصلا وأن الكاتب أمره مختلف.. وبهذا المعيار أيضا كان استاذنا الراحل الكبير أحمد بهاء الدين يقول عن نفسه وعن العبد الفقير كاتب السطور: ــ نحن أقرب في أعمالنا الى ما قد نسميه (صحفي المكتب) .. قد نقرأ ونترجم ونستوعب ثم نحول هذا كله الى تعليقات وتنبؤات وتفسيرات وتحليلات.. وكان هذا في رأيه وظائف مكملة لوظيفة الجورنالجي سواء كان مخبرا يستقي النبأ ويتعامل مع المصادر أو كان مراجعا من أهل المطبخ الصحفي ــ الديسك ــ يتولى أمور صياغة وتحرير هذه العناصر الأولية الخيرية الى حيث تصبح مادة صالحة للنشر المطبوع أو النشر المسموع أو المنظور. وفي ضوء هذه التمييزات.. استجد في ندوات البحوث وفي الحلقات الفكرية التي يتنادى الى عقدها الأخوة المثقفون تعبير جديد هو: أن سيادته (كاتب وباحث) فاذا سلمنا أن سيادته كاتب بمعنى أنه يمتهن حرفة الكتابة أو أدركته الحرفة المذكورة.. يبقى السؤال: عم يبحث؟.. والسؤال مطروح الى حديث بإذن الله موصول.