وفق برنامج معد سلفا تقوم قوات جون قرنق انطلاقا من الاراضي الاريترية بتنفيذ مسلسل طويل من الضربات المتلاحقة على مدى زمني طويل لخط الانابيب العملاق الذي ينقل النفط السوداني، الى السوق العالمية عبر ميناء بشاير على البحر الاحمر. الشركات الاجنبية الثلاث, الماليزية والصينية والكندية, المشاركة في مشروع النفط السوداني تنسحب من المشروع في ضوء الخسائر الناتجة عن النسف المتصل لخط الانابيب. في مرحلة لاحقة تحقق قوات قرنق انتصارا عسكريا حاسما.. وتدخل الخرطوم وسط حرب شوارع ومئات الألوف من اشلاء الشماليين. قرنق يتولى قيادة سلطة جديدة تتضمن عناصر شمالية يعهد اليها بأدوار ثانوية في السلطة. يعلن قرنق عهد (فصل الدين عن الدولة) تمهيدا لمرحلة فصم الدين الاسلامي عن الحياة. في الوقت نفسه يعلن (الرئيس قرنق) ايضا انسحاب دولة السودان من عضوية جامعة الدول العربية بحجة انه دولة هويتها الرئيسية ليست عربية. هذا هو (اسكتش) للسيناريو الامريكي المعد لمستقبل السودان. هو سيناريو معروف منذ بضع سنين لكل من تابع بدقة تطورات مشكلة جنوب السودان وألقى السمع وهو شهيد. ولهذا جاءت التصريحات الخطيرة التي ادلى بها الصادق المهدي زعيم (حزب الامة) في هذا السياق الاسبوع الماضي تثبيتا جديدا لحقيقة واقعة رغم ان صياغتها منقحة. استهل المهدي تصريحاته بمعلومة اخبارية.. احدث معلومة. فقد قال ان الولايات المتحدة تخطط لنقل ستة آلاف من مقاتلي حركة قرنق الى حدود السودان الشرقية في محاولة لنقل الحرب الى الشمال. وقال ان واشنطن تمارس ضغوطا على اريتريا واثيوبيا لتقديم مساعدات لوجستية للقوة الجنوبية. من ثم لخص المهدي الاهداف الاستراتيجية الامريكية كما يلي: وضع نهاية لسيطرة الصين وماليزيا وكندا على حقول النفط السودانية. فصل الدين عن الدولة ابعاد السودان عن العالم العربي وشمال افريقيا. لو جاء هذا القول من غير الصادق المهدي لجاز اعتباره مبالغة رغم ان جوهره صحيح. وأن يأتي القول من المهدي فإنه يجب ان يؤخذ بأعلى درجات المصداقية. لماذا؟ ببساطة لأن المهدي اتيح له ان يرى الصورة (من الداخل) لمدى اكثر من ثلاث سنوات ظل الصادق المهدي يمارس معارضته للنظام السوداني من خارج الحدود كأحد اقطاب (التجمع) الوطني وبهذه الصفة لم يتعامل مع قرنق و(الجيش الشعبي) فحسب, بل تعامل ايضا بصورة مباشرة مع كبار المسئولين الامريكيين ودخل معهم في مناقشات مطولة بشأن استراتيجيات المعارضة وبرامجها ونشاطها بكل التفاصيل السرية التي يمكن ان تتاح لزعيم اكبر الاحزاب المعارضة على الاطلاق. المهدي رأي بعينيه وسمع بأذنيه وبذلك وقف على (القصة داخل القصة) او قل (اللعبة داخل اللعبة). وعند نهاية المطاف اقتنع الصادق المهدي بأنه بتحالفه مع قرنق والامريكيين فإنه يورط نفسه ــ اذا استمر ــ في مستنقع خيانة: خيانة السودان والسودانيين. وخيانة مبادىء الثورة المهدية ,.. وخيانة الامة العربية.. وخيانة الاسلام والمسلمين.. وخيانة الله ورسوله, والعياذ بالله الواحد الاحد القاهر فوق عباده. بهذه القناعة المتشبعة قرر الصادق ان ينفض يديه من (التجمع) بعد ان واجه قرنق وأمريكا معا.