ما أشبه اليوم بالبارحة, مثل عربي يؤكد بأن التاريخ يعيد نفسه بقوة في كثير من الأحيان. وهنا نقول ما أشبه هجرة اليوم بهجرة الأمس. عقول هاجرت وعقول جديدة تغادرنا إلى لا عودة. فعلى مدى قرن من الزمان شهد الغرب العديد من الإضاءات في مجال العلم والثقافة والتنمية والسياسة, أسماء عربية لامعة أجبرها طموحها الذاتي وضنك العيش في بلدانها أن تترك الوطن علّها تشق طريق الحلم لتجد ذاتها المفقودة. لقد هاجروا طوعا ولكنهم ابتلعوا المنفى قسرا ومرارة فأدمنوه. أيما كانت دوافعهم وحالتهم فقد خسرهم الوطن, فعلى قدر ما يسهمون في الغربة, فإنهم يصيبون بلدانهم بالتخلف ويحرمونها فرص التقدم والتنمية. وها هو التاريخ, في عصر تكنولوجيا المعلومات, يعيد بطشه دون رحمة مع جيل مبدع جديد بمقدوره أن ينشل بلدانه من التخلف بكافة اشكاله. ولكن هذه المرة بسبق الإصرار والترصد من قبل الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فهم يدركون بأن العقل المهيمن سيكون عقلا إلكترونيا لا يعتمد بالضرورة في إبداعه على الجهد الجماعي وإنما يعتمد على الإبداع الفردي مع آلة سحرية تدعى الحاسوب, الأمر الذي يهدد الغرب إذا بقيت هذه العقول في بلدانها النامية. وإن ما تعلن عنه دوائر الهجرة في الدول الغربية من تسهيلات واغراءات لذوي الخبرات في تخصصات معينة وعلى رأسها تكنولوجيا المعلومات, حيث يتم منحهم الإقامة الدائمة دون التعقيدات البيروقراطية المعهودة, لهو أكبر دليل على أن ثمة سرقة وجريمة كبرى ستظهر نتائجها الوخيمة بعد عقدين أو ثلاثة من الزمان. وقد أدركت بعض دول العالم الثالث خطورة هذه الجريمة فبدأ بعضها بتوفير سبل العيش الكريم لأبنائها حماية لهم من إغواء الهجرة, بل وان الصين والهند تقومان حاليا باستقطاب أبنائهما الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة والغرب. فعلى الرغم من أن الهند والصين تشكلان ثلث العالم ولديهما من المخزون البشري ما يسمح بإنتاج عقول بديلة إلا أنه يشوبهما القلق وتسعيان لاستعادة أبنائهما المبدعين. ولكننا في عالمنا العربي تحديدا , نبذر ونزرع ونربي ونهيىء وهم يسرقون مستقبلنا في أعز ما نملك من عقل وعلم. فماذا فعل العرب الذين يقدر تعدادهم بـ 250 مليوناً فقط إزاء هذا الجيل من الشباب المنتج والمبدع والذي يتم استدراجه نحو آلية بناء الآخر على حساب الذات العربية. أين الأمل ومن يقرع ناقوس الحذر قبل أن يداهمنا الخطر بفعل ما تقترفه أيدينا من تفريط بأهم مقومات الأمة؟ hani@albayan.co.ae