(وصلت الباخرة مولتان إلى مرسيليا وعلى ظـهرها الملك أمان الله ملك أفغانستان وأفراد أسرته, فنزل إلى المدينة نزول فرد عادي لا تحفّه مظاهر الاحتفاء والإكرام التي قوبل بها في زيارته السابقة وهو ملك متوّج عزيز الشأن. وتراه فوق هذا الكلام عند خروجه من الميناء يسير مع زوجته الملكة ثريا وبينهما نجلهما الأكبر الأمير رحمة الله ووراءهما باقي أولادهما. وترى علامات الحزن بادية على محيا الملك المنكود الحظ. وقد لبث في مرسيليا بضعة أيام ثم غادرها إلى ايطاليا حيث يستقر به المطاف إلى أن يقضي الله أمره). كان هذا هو التعليق المنشور أسفل الصورة المعبّرة التي توقفت عندها ضمن مجموعة الصور التي نشرتها (البيان) خلال شهر رمضان المبارك تحت عنوان (أوراق قديمة). وهي صور تكمن خلف كل واحدة منها قصة ربما تحولت ــ لو وجدت لها من يكتبها ــ إلى رواية مثيرة تبحث عمّن ينتجها في فيلم سينمائي. تأملت الصورة جيدا, وأمعنت النظر في وجه الملك المخلوع فرأيت المأساة ترتسم على ملامح ذلك الوجه ذهولا وشرودا ونظرات زائغة وجهتها المجهول. ورأيت الملكة تمشي منكسة الرأس, وقد ارتدت قبعة كبيرة تخفي معظم وجهها. ثم تأملت الأبناء الذين أكملوا المشهد المعبّر وهم يسيرون في ركاب والديهم في رحلة مجهولة المصير لا يعلمون ما الله فاعل بهم خلالها. كان تاريخ الصورة 30 ديسمبر 1930, أي انه قد مضى عليها سبعون عاما بالتمام والكمال. قصة أخرى من قصص الارتقاء والانحدار .. عاش خلالها (أمان الله) حتى تاريخ الصورة سبعة وثلاثين عاما رفل خلالها في ثياب العز والملك منذ أن ولد, فكان الابن الثالث للأمير (حبيب الله خان) الذي خلفه عند اغتياله. عاش خلال هذه الرحلة خمسة عشر عاما أميرا لأفغانستان ثم ملكا لها لمدة أربع سنوات قبل أن ينقلب عليه الشعب. أما زوجته ثريا فقد كانت سيدة دمشقية تزوجها عام 1914 وقد اتخذت لنفسها لقب شاه خانوم حينما أصبحت تلقب بالملكة. متجاوزا التاريخ السياسي وكيف حكم (أمان الله) أفغانستان وكيف فقد عرش الحكم فيها, وجدت نفسي أتخيل شكل الحياة التي عاشها الملك وأسرته قبل أن يفرّوا من بلادهم هاربين من ثورة شعبهم عليهم, ورثيت لحالهم وهم ينتقلون من دفء القصور الملكية وعزها إلى برد شوارع الغربة وذل المنفى. ترى .. أي نار ستكتوي بها قلوبهم وتضطرم في نفوسهم وهم يرون نظرات الشفقة ـ ربما الشماتة ــ تحيط بهم حيثما حلّوا أو رحلوا؟ وأي حياة تلك التي سيعيشونها مشردين يلتمسون ود الغرباء ويطلبون الأمان لديهم؟ وأي نوم ذلك الذي ستعرفه عيونهم وهم يتقلبون على جمر الذل والانكسار بعد أن تقلبوا طويلا على مفارش العز والملك؟ وكيف يلذ لهم طعام ومرارة القهر تحزّ حلوقهم يتجرعونها في اليوم آلاف المرات؟ وكيف ينعقد لهم مجلس أنس وقد تفرق الناس من حولهم بعد أن كان الجميع يطلب ودهم ويقدم فروض الولاء والطاعة لهم؟ حتى هذه الأرض التي استقبلتهم قبل سنوات ثلاث بكل حرارة تحفهم مظاهر الاحتفاء والإكرام عندما زاروها ملوكا متوجين عزيزي الشأن .. هذه الأرض نفسها تطؤها أقدامهم اليوم فإذا بها باردة موحشة كئيبة .. وإذا بهم يتمنون لو أنها بلعتهم فلم يعيشوا لحظة الانكسار هذه ولم يشاهدوا نظرات الشفقة والتجاهل التي لم يعرفوها طوال حياتهم .. تلك الحياة التي لم تعد سوى طيف ذكرى للملك الذي زال والعز الذي ذهب إلى غير رجعة. إنها القصة نفسها تتكرر في كل زمان ومكان .. تختلف الأماكن .. تتغير الوجوه .. تتبدل الأسماء .. ولكن المأساة هي هي .. أناس تصعد نجومهم وتنقاد لهم الدنيا أيّما انقياد كأنهم لم يولدوا إلاَّ للعز والنعمة والرفعة والارتقاء .. لا يعرف الحظ السيئ طريقه إليهم .. يأمرون فيطاعون .. حيثما حلّوا تحلق الناس حولهم .. وأينما رحلوا ارتحل السعد في ركابهم. تظل نجومهم في صعود حتى تأتي اللحظة التي لا يعلم أحد متى تأتي .. فإذا بتلك النجوم تهوي محترقة .. وإذا بالفضاء من حولهم ظلمة حالكة .. وإذا بكل ذلك العز والجاه والسطوة حلم ليلة صيف لم يستمر طويلا .. وإذا بتلك الجموع تنفضّ من حولهم فلا صاحب أو خليل ولا ظل ظليل. قائمة طويلة من الملوك والحكام والوزراء وذوي المناصب والجاه والسلطان تنتصب أمام المرء إذا ما أراد أن يستحضر نماذج من التاريخ القديم والحديث. ومن بين آلاف الوجوه التي تحتويها القائمة يطلّ وجه شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي في أواخر أيامه شاهدا حيا على ما يمكن أن يؤول إليه حال الإنسان وكيف يمكن أن يدير له ظهره الزمان. حكم الشاه بلدا مترامي الأطراف واسع المساحة ذا كثافة سكانية مناسبة .. حباه الله موارد اقتصادية عظيمة أهمها النفط في وقت وصلت فيه أسعاره أعلى معدلاتها, فعمل الشاه على بناء قوة عسكرية كادت تكون القوة السادسة في العالم, وسعت إلى كسب وده القوى العظمى, وأقام الاحتفالات الكبرى في استعراض لا مثيل له للقوة والنفوذ والعظمة, حتى غدا حديث العالم ومضرب المثل وأعاد إلى الأذهان صورة الامبراطوريات التي مضى عهدها. وهكذا ظن انه قد ملك ناصية الدنيا واستلم قيادها فلم يخامره شك في قوة عرشه وثبات سلطانه .. ولانه كان يجلس فوق القمة .. وللجلوس فوق القمة لذة لا يعرفها إلا من ذاق طعمها .. فقد أرسل ناظريه نحو الفضاء ولم يفكر يوما في النظر إلى السفح .. وأقام بينه وبين الأرض سدا فلم يعد يشعر بدبيب من يخطون عليها ويكادون يموتون اختناقا بعد أن ملأ الجالسون فوق القمة صدورهم بالهواء ولم يتركوا لساكني السفح نسمة تساعدهم على البقاء أحياء. وكانت غلطة الشاه التالية هي الغلطة نفسها التي وقع فيها مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية عندما لم يعر اهتماما الرسالة التي بعث بها إليه أمير خراسان نصر بن سيّار حينما رأى انتشار الدعوة العباسية على يدي أبي مسلم الخراساني .. تلك الرسالة التي صاغها في أبيات شهيرة يقول فيها: أرى بينَ الرمادِ وَمِيضَ نارٍ ويُوشكُ أن يكونَ لها ضِرامُ فإن لم يُطْفِها عقلاءُ قومٍ يكونُ وقودَها جُثثٌ وهَامُ فإنّ النارَ بالعُوْدَيْنِ تُذْكَى وإنّ الحربَ أوَّلُهَا كَلامُ فقلتُ من التعجبِ ليتَ شعري أأيْقَاظٌ أميَّةُ أمْ نيامُ فإن كانوا لحِيْنِهِمُ نِياماً فَقُلْ قوموا فقد حانَ القيامُ وكما فعل مروان بن محمد فتراخى عن تلبية نداء واليه على خراسان أصمّ الشاه أذنيه وأغمض عينيه ليجد نفسه منفياً من وطنه طريدا تسد كل الدول أبوابها في وجهه وتغلق حدودها أمامه .. بل ان أكثرها اعراضا عنه وأشدها تنكرا له كانت تلك الدول العظمى التي تنافست ذات يوم على كسب وده, ليصل الحال به في النهاية إلى البحث عن قبر لم تستطع أن توفره له سوى مصر في عهد السادات. إنها القصة نفسها تتكرر مع اختلاف الوجوه .. ولقد رأيت المأساة في أبلغ صورها على وجوه أمان الله وزوجته وأبنائه .. عبرت عنها خطوات أقدامهم المتعثرة ونظرات عيونهم الزائغة ورؤوسهم المنكسة فتمنيت لو رأى الناس جميعا الصورة ليأخذوا منها العبرة .. لا سيما أولئك الذين حال بريق السلطة بينهم وبين الرؤية السليمة فأعمى أبصارهم وبصيرتهم عن رؤية يوم كهذا لا يعلم موعده إلا الله القاهر فوق عباده.