التعاون الاستراتيجي المتنامي بين ايران وروسيا يتعلق امره بمنطقة القوقاز وآسيا الوسطى اكثر مما يتعلق بالخليج والشرق الاوسط. لكن الرؤية المشتركة حاليا بين الطرفين الايراني والروسي تجاه مستقبل تلك المنطقة الحبلى بالمتغيرات قد تتبدد في المدى الطويل. هذه الرؤية المشتركة تشكلت اساسا في تماثل موقف الدولتين نحو المشهد الافغاني وبروز حركة (طالبان) كأكبر قوة بين قوى الصراع الداخلي الدموي المستعر في القسم الشمالي من افغانستان. ان قوات حركة (طالبان) الحاكمة والمسيطرة على اكثر من 90% من الاراضي الافغانية تتواجه في مساجلة قتالية طويلة مع قوات تتبع لفصائل متحالفة يجمعها مرحليا رفضها لسيطرة طالبان على الحكم. ولكل من طهران وموسكو اسبابهما لدعم التحالف المعارض ضد طالبان.. لكنها ليست اسبابا متطابقة. ان الحرب الافغانية تدور بين قوميات عرقية. فبينما تمثل حركة طالبان قومية (البشتون) الموزعة عبر الحدود مع باكستان فإن قوات المعارضة تتكون اساسا من قومية (الطاجيك).. وهي قومية تتحدث اللغة الفارسية وتنتمي ثقافيا الى ايران. لكن ليس لهذا السبب وحده تدعم ايران قوات المعارضة. فالعداء الايراني تجاه طالبان نابع ايضا من اضطهاد البشتون بقيادة حكومة طالبان للاقلية الشيعية الافغانية. اما الاسباب التي دعت روسيا الى تبني قوات المعارضة الافغانية فتتعلق بالشأن الديني اكثر من تعلقها بالشأن القومي العرقي.. فموسكو تتخوف من تنامي الصلات التنظيمية بين طالبان ومنظمات اسلامية راديكالية في بلدان آسيا الوسطى, خاصة طاجكستان واوزبكستان اللتين تتشاركان حدودا مع افغانستان. ولم يعد سرا ان حكومة طالبان توفر لهذه المنظمات الاسلامية برامج تدريب قتالي وتثقيف ديني على اساس مبادىء الجهاد. اذن تلتقي طهران وموسكو عند هدف الاطاحة بنظام طالبان.. وهو تحالف بالضرورة مرحلي ومؤقت. فعند نقطة ما في المستقبل سوف تبرز تناقضات وتعقيدات. فإذا نجح التحالف الايراني الروسي في الاطاحة بنظام طالبان فإن ذلك سوف يكون ايذانا بصدام بين ايران وروسيا على مستقبل افغانستان. فالفصيل الرئيس في تحالف المعارضة الافغانية الذي يمثل قومية الطاجيك ذات الثقافة الفارسية ويتزعمه برهان الدين رباني له اجندة اسلامية لا تقل راديكالية عن اجندة تنظيم طالبان. الصدام الايراني الروسي سوف يقع اذن اذا تسلم الطاجيك ورباني السلطة. فبينما سوف تكون هذه السلطة الجديدة حليفا من المنظور الايراني يجب دعمه فإنها ستكون عدوا مثل نظام طالبان من المنظور الروسي. ومع مرور الزمن سوف تكتشف طهران ان تعاونها مع روسيا يحمل بين طياته تناقضات اخرى. وعلى سبيل المثال: ماذا يكون الموقف الايراني تجاه حرب الشيشان اذا طلبت موسكو في مرحلة ما تأييدا ايرانيا؟ وماذا يكون الموقف الايراني المستقبلي اذا تعاظم نشاط المنظمات الاسلامية في بلدان اسيا الوسطى ضد انظمتها الحاكمة الموالية لروسيا؟ بكلمات اخرى: هل تستطيع ايران مواصلة تحالفها مع روسيا ضد حركات اسلامية فتخاطر طهران على هذا النحو بسمعتها كدولة اسلامية؟ هذا هو السؤال الكبير الذي سوف تأتينا اول اجابة عليه اذا اقدم المحور الايراني الروسي على تنفيذ الهجوم العسكري المرتقب ضد قوات طالبان بعملية مشتركة.