ليس صحيحا أن شيئا لم يحدث فى لقاء كلينتون وعرفات, وأن الموقف الفلسطينى كما هو وأن الثوابت الوطنية الفلسطينية بخير, وأن (نعم.. ولكن!) التى قدمها عرفات ليست الا رفضا مهذبا للاقتراحات الأمريكية!! ليس هذا صحيحا, وانما يجرى ترويجه للتهوين من الخطوة التى تمت, ولاتقاء الغضب الشعبي الفلسطينى والعربى, ولتمهيد الطريق لاتفاق, وجد الرئيس الفلسطينى عرفات ان الفرصة قد أصبحت مواتية لتوقيعه قبل رحيل كلينتون.. أى خلال بضعة أيام. اتفاق يتم على أساس المقترحات الأمريكية التى كانت حتى لقاء واشنطن الأخيرة مرفوضة شكلا وموضوعا من القيادة الفلسطينية.. أو هكذا قيل!! لقد عاد الرئيس عرفات الى غزة يحمل البشرى!! بأن هناك فرصة تاريخية لتوقيع اتفاق التسوية النهائية قبل رحيل كلينتون.. فهل يتفق هذا مع القول بأن ماقدمه من خلال (نعم.. ولكن) هو رفض للمقترحات الأمريكية, أم انه تعبير عن أن الاتفاق قد تم على معظم نقاط التسوية, وعلى أساس نفس المقترحات الأمريكية التى وصفها المفاوض الفلسطينى الذى رافق عرفات فى رحلته الأمريكية الأخيرة بأنها أكبر خدعة سياسية فى تاريخ الشرق الأوسط!! الاقتراحات الامريكية لم تعد سرا, وقد تعمد الأمريكيون نشرها من البداية لتهيئة المناخ ومعرفة ردود الفعل تمهيدا للتعامل معها. وهكذا عرف الرأى العام أن المعروض هو نصف القدس العربية بعد ضم المستوطنات والأحياء اليهودية وسيادة عربية على الحرم القدسى فوق الأرض, أما تحت الأرض والحائط الغربى الذى يضم حائط البراق فتحت السيادة الاسرائيلية. ومع أن الحديث يدور حول اعادة 95% من أرض الضفة, فالحقيقة أن أكثر من ربع الضفة سيضيع, لأن الحديث يستثنى الأحياء والقرى التى جرى ضمها للقدس والتى تكاد تبلغ 20% من مساحة الضفة. وفوق ذلك تعرض المقترحات الأمريكية (الاسرائيلية أصلا) دولة مقطعة الاوصال, وضفة غربية مقسمة الى ثلاثة أجزاء تبحث عن ممر يربطها بالقدس العربية, دولة منزوعة السلاح لا تملك السيطرة على حدودها (ستكون تحت رقابة قوات دولية) ولا على أجوائها, وترابط فيها قوات اسرائيلية ومحطات انذار لمدة غير محدودة يتم التباحث عليها كل عشر سنوات اذا وافق الطرفان وفى مقابل ذلك على الفلسطينيين أن يتخلوا عن حق العودة لأكثر من أربعة ملايين فلسطينى, وأن يعترفوا بأن هذا هو نهاية الصراع, وهو التطبيق الأمين والعادل والكامل والشامل بكل القرارات الدولية, وأن يغلقوا كل الملفات التى تتناول الحقوق الفلسطينية من الآن والى الأبد! هذه المقترحات الاسرائيلية الأمريكية لم تأت من فراغ. انها الحصاد المر لاتفاقيات أوسلو التى أعطت لاسرائيل كل شئ, بينما جعلت حقوق الفلسطينيين محل تفاوض استمر سبع سنوات عجاف تلاعبت فيها اسرائيل بالمفاوض الفلسطينى, وتهربت فيها أمريكا من كل التزاماتها, وتحولت من راع للسلام يفترض فيه الحياد الى طرف منحاز للإسرائيليين وضاغط على المفاوض الفلسطينى لانتزاع المزيد من التنازلات, بعد أن تحولت المفاوضات الى لعبة مستمرة لانتزاع المزيد من المكاسب للإسرائيليين عن طريق الوصول الى حل وسط يرفض الاسرائيليون تطبيقه, فيتم التفاوض من جديد للوصول الى حل وسط جديد يجري التفاوض عليه مرة أخرى! المقترحات الأمريكية لم تأت من فراغ, فهى حصيلة هذا الماراثون من المفاوضات العبثية (العلنية والسرية) وللحق.. فإن بعض ماجاء فى هذه المقترحات الأخيرة رغم وقاحتها أفضل مماسبق أن وافقت عليه القيادة الفلسطينية من خلال وثيقة أبومازن بيلين! ومن هنا نفهم سرا التردد الطويل فى اعلان موقف رسمى للسلطة الفلسطينية من هذه المقترحات, وسر الضغوط الأمريكية المتواصلة لانتزاع الموافقة الفلسطينية عليها. التردد الفلسطينى الرسمى كان ينطلق من وجهة نظر كانت ترى أن مباحثات كامب ديفيد الفاشلة أنجزت 80% من الاتفاق النهائى! وبعد الانتفاضة التى فاجأت حتى القيادة الفلسطينية نفسها التى لم تكن تتوقع الا حركة احتجاج بسيطة تدعم موقفها التفاوضى لانجاز باقى المهمة, ارتبك موقف القيادة الفلسطينية.. فهى من وجهة تريد توظيف الانتفاضة لتحسين الاتفاق خاصة فيما يتعلق بالقدس والمسجد الأقصى. وهى من ناحية ثانية أصبحت تواجه رأى عام فلسطينى وعربى يرى أن طريق أوسلو قد انتهى, ويطالب بحل جديد يستند الى الشرعية الدولية والحقوق الوطنية. وكان موقف السلطة مع الطريق الاول (طريق استكمال أوسلو) ولكنها كانت تدرك أنه من غير الممكن الصدام المباشر مع جماهير الانتفاضة أو الاستهانة بمطالبها. ورغم بشاعة العدوان الاسرائيلى على الشعب الأعزل, فقد حاولت السلطة جاهدة المحافظة على عدم تصعيد الموقف, وابقاء الانتفاضة تحت السيطرة, واستغلال الموقف للوصول الى تحسين ماتم عرضه فى كامب ديفيد لاتمام الجزء الباقى من الاتفاق. من جهتها.. كانت أمريكا تشعر بخيبة أمل من اندلاع الانتفاضة, ومن الغضب العارم الذى ساد الشارع العربى والاسلامى والذى فرض القمة العربية ثم الاسلامية, ومن مشاعر العداء للموقف الأمريكى المنحاز لاسرائيل. وفى مواجهة ذلك, كان الموقف الأمريكى مع تصعيد العنف الاسرائيلى ضد الانتفاضة, لمنع تحولها الى حركة مقاومة تستلهم النموذج اللبنانى وتفجر الأوضاع فى المنطقة, ثم ممارسة الضغط لانهاء المهمة وفرض الحل النهائى كما تراه أمريكا (بعيون اسرائيل بالطبع)! وهكذا عندما دعت أمريكا الى مباحثات واشنطن فى الشهر الماضى, والتى عرض فيها كلينتون مقترحات, ومارس بعدها كل الضغوط الممكنة للحصول على الموافقة الفلسطينية عليها. ولم يكن التحرك الامريكى نزوة سياسة, ولم تكن منطلقا فقط من رغبة كلينتون فى دخول التاريخ باعتباره صانع السلام فى المنطقة بدلا من أن يدخل بفضيحة مونيكا, ولم يكن فقط تعبيرا عن رغبة في انهاء الانتفاضة واستعادة الهدوء فى المنطقة, وانما مع ذلك كله, بل وقبله فى حقيقة الأمر, كان التحرك الأمريكى تعبيرا عن قناعة بأن الظروف ناضجة لاتمام المهمة, وأن الطرفين (الفلسطينى والاسرائيلى) قد اقتربا من تضييق الفجوات بينهما وهو ما يظهر أن التصريحات المتشددة خارج قاعات المفاوضات كانت تختلف عما يدور فى الكواليس. وبالطبع ليس فيما نقوله تبرئة للموقف الامريكى المنحاز من الأصل لاسرائيل, ولكننا نريد أن نقول ان المقترحات الامريكية لم تأت من فراغ, بل من قراءة أمريكية جادة لنتائج الاتصالات السرية والعلنية مع الأطراف المختلفة. وربما يفسر ذلك الاصرار الأمريكى على الحصول على موافقة عرفات على المقترحات, والضغط بكل الوسائل لتحقيق ذلك ومنها التهديد بتحميل عرفات مسئولية الفشل, والتلويح بأن تردده هو السبب, وانه يتراجع فى اللحظة الأخيرة عما سبق أن وافق عليه, وهو أمر لا أظن انه حدث من عرفات, ولكن تعدد المفاوضين وتعدد المسارات التفاوضية من جانب الفلسطينيين تسمح لمعاونى عرفات بأن يقولوا أشياء مختلفة عن نفس القضايا! لقد وقفت طويلا أمام ماذكره كلينتون وهو يعرض مقترحاته على الوفدين الفلسطينى والاسرائيلى فى البيت الأبيض. فقد قال وهو يتحدث عن القضيتين الأساسيتين (القدس واللاجئين) انه يشعر بأن الخلافات بين الجانبين (تتعلق بالصياغات وليس بالحقائق العملية)!! ماذا يعنى ذلك؟ إنه يعنى أن الطرفين متفقان على الأسس, وأن الخلاف لا يدور حول الأوضاع التى يرتبها الاتفاق وانما على الصياغات التى تعبر عن هذا الواقع الذى تم الاتفاق عليه, والتى يسهل عن طريقها تمرير الاتفاق.. خاصة فى القضيتين اللتين يتعلق بهما الرأى العام العربى والاسلامى: قضية القدس بكل ارتباطاتها بالمشاعر الاسلامية والمسيحية, وقضية اللاجئين التى تتعلق بأكثر من أربعة ملايين فلسطينى والتى تشتبك فيها مصالح دول عربية كثيرة. المشكلة وفقا للرؤية الأمريكية الاسرائيلية التى طرحها كلينتون لا تتعلق بالحقائق الموضوعية التى يجيء بها الاتفاق, بل الصياغة التى تقبلها الأطراف وتسهل المهمة. يعنى أن الطرفين موافقان على اقتسام القدس العربية واقتسام المسجد الأقصى فعليا, وتبقى الصياغة التى تحدد مفهوم السياسة وحدودها. ويعنى أن الطرفين متفقان على أنه لن يعود الى فلسطين 48 الا بضعة آلاف فى اطار لم الشمل بين الأسر الفلسطينية.. وتبقى الصياغة التى تتلاعب بالألفاظ لتتحدث عن حق عودة الفلسطينيين الى (وطنهم) أو الى فلسطين التاريخية أو غير ذلك من الحلول التى تكرس الواقع الذى سيؤكده الاتفاق.. وهو ان أربعة ملايين لاجئ فلسطينى لن يجدوا طريقهم لوطنهم السليب! وإذا كانت المشكلة عند كلينتون هى مشكلة صياغة, فقد أصبحت المشكلة عند القيادة الفلسطينية هى غموض المقترحات الأمريكية !! وأصبح الهدف المنشود هو الحصول على (ايضاحات) من كلينتون.. ولهذا سافر عرفات, وتكلم واستمع, ثم تم الاعلان عن (القبول) الفلسطينى المشروط لمقترحات كلينتون.. وعاد عرفات للقاهرة ليجتمع بوزراء الدول العربية المعنية فى اطار لجنة لدعم الانتفاضة, حيث أعلن الورزاء (موافقتهم غير المشروطة) على تأكيد الحقوق العربية الثابتة فى عودة اللاجئين وفى السيادة على القدس الشرقية والمسجد الأقصى. وبعدها عاد عرفات ليعلن انه ينتظر الوصول الى اتفاق نهائى مع اسرائيل قبل رحيل كلينتون من البيت الأبيض.. أى خلال أسبوعين فقط! ماالذى يعنيه كل ذلك؟ انه يعنى أن عرفات وافق مبدئيا على المقترحات الأمريكية, وان العرب قد تركوا له التصرف فيما يتعلق بالقضية الا فيما يتعلق باللاجئين والسيادة على الحر م القدسى, وأن تقدير عرفات بعد أن اجتمع بكلينتون, وبعد أن عرف حدود الموقف العربى, أن الاتفاق مع اسرائيل على الحل النهائى ممكن, وفى خلال بضعة أيام فقط! وهذه هى الكارثة التى تنتظرنا, والتى فتح لها الباب قبول عرفات المبدئى بالمقترحات الأمريكية. لقد أصبحنا أمام مشكلة صياغة لا مبادئ. مشكلة غموض يجرى توضيحه وليس خلافا على الأسس التى قامت عليها المقترحات الأمريكية والتى تستهدف تصفية القضية الفلسطينية وفقا للتصور الاسرائيلى. إن أخطر مايعنيه القبول الفلسطينى بهذه المقترحات (رغم كل التحفظات) هو أن تكون هذه المقترحات هى المرجعية التى يجرى التفاوض فى اطارها, وأن تكون البديل عن كل القرارات التى تؤكد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى. المفاوضات ستدور من الآن على حل يبقى على المستوطنات الاسرائيلية فى قلب الضفة وبمساحة تعادل مساحة غزة, ويقسم القدس العربية بين فلسطين واسرائيل, وكذلك المسجد الأقصى الذى ستشرف على النظام فيه قوات أجنبية, ولا يعطى حق العودة للأرض المحتلة عام 48 الا للباقين على الحياة من الجيل الأول وعلى أسس انسانية وبمعدل بضعة آلاف فى كل عام ويأخذ جزءا من الضفة مقابل أرض كانت تدفن فيها النفايات النووية فى صحراء النقب. على هذا العرض الوقح المهين, قالت السلطة الفلسطينية (نعم) من حيث المبدأ وبدأت التفاوض على التفاصيل فى ظل المرجعية الجديدة التى أنشأتها بموافقتها المبدئية على المقترحات الجديدة. الآن.. أصبح التفاوض يجرى فى ظل الاعتراف الفلسطينى بعدم العودة لحدود ,67 وببقاء المستوطنات فى الضفة ضمن السيادة الاسرائيلية, وباقتسام القدس والمشاركة فى المسجد الأقصى, وبقاء السيطرة العسكرية الاسرائيلية على الدويلة الفلسطينية المقترحة, وانهاء الصراع التاريخى مع بقاء أربعة ملايين لاجئ فلسطينى بعيدا عن وطنهم. هذا هو الاطار الذى سيجرى التفاوض داخله. صحيح أن هناك تحفظات فلسطينية, ولكنها توضع من باب تحسين شروط التفاوض, وبما لا يتصادم مع المبادئ الأساسية والمقترحات الأمريكية الاسرائيلية. صحيح أن عرفات قال (نعم.. ولكن).. وتاريخ المفاوضات منذ أوسلو يعلمنا أن (نعم) التى قالها عرفات هى التى ستبقى بكل تنازلاتها, وأن (ولكن) ستأخذ طريقها الى النسيان بعد أن تؤدى دورها فى تمرير المشروع الامريكى الاسرائيلى الذى كان قبل أيام أكبر خديعة سياسية فى تاريخ الشرق الأوسط فأصبح الآن أساسا صالحا للتفاوض من أجل الحل النهائى الذى قال عرفات انه يأمل فى تحقيقه خلال أيام! وسوف نشهد تحركات محمومة على كل الجبهات فى الأيام القادمة. وستزداد الضغوط الأمريكية, وستتصاعد التهديدات الاسرائيلية بالحرب فى محاولة لتخويف واسكات كل الاطراف العربية, ورغم أن الآمال فى تمام الصفقة ليست كبيرة رغم تفاؤل عرفات, فإن المهم بالنسبة للادارة الأمريكية الآن هو تثبيت الموقف الفلسطينى الجديد, وتوثيق القبول الفلسطينى بمقترحات كلينتون حتى ولو كان قبولا مشروطا, والعمل الجاد لاستكمال جوانب الاتفاق وخاصة النواحى الأمنية التى تركز عليها اسرائيل والتى يجتمع من أجلها اليوم رئيس المخابرات المركزية الامريكية بالمسئولين الأمنيين فى الطرفين بمصر.. ليس فقط فى محاولة لتهدئة الأوضاع كما يقال, وانما لاعداد اتفاق امنى جديد تم الاتفاق على أن يكون جزءا مكملا لمقترحات كلينتون وأن يبقى سريا. وربما عن طريق هذا الاتفاق الأمنى ثم اتفاق اطار يتضمن اقتراحات كلينتون كأساس للاتفاق تنتهى هذه المرحلة انتظارا لمفاوضات مطولة تتناول التفاصيل. المهم الآن بالنسبة لأمريكا واسرائيل هو تثبيت التنازل الفلسطينى الجديد, وأن تصبح مقترحات كلينتون الاسرائيلية الأمريكية هى السقف الجديد الذى تجرى تحته محاولات الوصول للحل النهائى. ولا يهم هنا أن تكون الموافقة مشروطة, فالتجارب وموازين القوى تقول ان (نعم) الفلسطينية على مقترحات كلينتون هى التى ستبقى, أما الشروط والتحفظات.. فللذكرى والتاريخ!!