راهن المراقبون منذ اللحظة الأولى للإعلان عن التئام القمة الحادية والعشرين لدول مجلس التعاون الخليجي, على أن هذه القمة لن تكون مميزة عن سابقاتها من القمم التي سبقتها, وأنها لن تخرج عن المألوف الكرنفالي,الذي يتصف عادة بالاستقبالات الرسمية وكافة المظاهر البروتوكولية المعهودة بالخطاب الواسع المفتقد في أغلب الأحيان حتى إلى حدوده المتعارف عليها, والذي بالنهاية يعيش بلا تخوم مرئية, قد تجعله قابلا للتحقق ولو جزئياً على أرض الواقع. لكن بعيداً عن المراهنة والمواقف المسبقة التي تعودها البعض المراقب في إطلاقه الأحكام الجاهزة على الظواهر أيا تكن سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ثقافية ؛لابد لنا من الاعتراف أن هذه القمة الخليجية جاءت في ظرف استثنائي وبعقلية استثنائية أظهرت من خلالها روح المسئولية العالية بين أبناء الصف الواحد والجغرافية المتآخية. وقد عكس ذلك الإدراك الكبير والمعرفة الدقيقة المبنية على التشخيص الواضح, لمعطيات الواقع العربي والإقليمي والدولي, وما يحمله هذا الواقع المبهم في أغلب الأحيان من مخاطر ومفاجآت على مستقبل الأمة بقضها وقضيضها, ما جاء في البيان الختامي وما تضمنه من مهام جسام ملقاة على عاتق دول المجلس, والذي تناول ولاول مرة منذ عشرين سنة تفصلنا إلى الوراء, تفاصيل المرحلة المقبلة, انطلاقاً من جملة الثوابت التي بنيت على قناعة كلية اتسمت بكل وضوح لا لبس فيه, بالإرادة المستقلة لدول المجلس الست, استناداً إلى قيم الشراكة الجامعة التي قربت المفاهيم وأرست أسس الآليات المتوخاة بين هذه الدول, في إطار مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية جامعة, ترتكز إلى ميثاق مشترك وقوانين توافقية ناظمة للعلاقات البينية القائمة. وقد أكد ذلك ما توصلت إليه القمة الحادية والعشرين التي عقدت في المنامة يومي 30 /31 ديسمبر, من طرح قرارات بالغة الأهمية ستؤسس إذا ما توبعت بكل جدية, إلى ركيزة صلبة ترتكز عليها دول المجلس لانطلاقة جديدة كل الجدة, نحو مرحلة من التعاون, تكون بحد ذاتها المدخل الصحيح والمعافى إلى الألفية الثالثة بكل تعقيداتها ومفاجآتها غير السارة في أغلب الأحيان للدول الصغيرة والفقيرة في آن معاً, لأنها ستحمل بكل تأكيد الكثير من المتغيرات على المستوى الكوني. وبلا أدنى شك أن قمة البحرين تعتبر القمة النوعية للدخول في عالم الألفية الثالثة, لأنها دخلت وبشكل مبدئي إلى غور المتراجحات والمعضلات والثنائيات المعلقة من قبل على كل الأصعدة وبلا استثناء وبما يستجيب لتطلعات شعوب مجلس التعاون الوحدوية. وقد يكون ما بحثه, رغم قلة الوثائق, المجلس الأعلى للمجلس واللجان المتمخضة عنه لجهة الإسراع نحو إقامة الاتحاد الجمركي, وتنسيق السياسات النقدية والمصرفية كخطوة أولى لتوحيد العملة المرتكزة على مفهوم التكامل الاقتصادي, لهي خطوات كبيرة, ومقدمة للخروج من حالة التماثل المقيتة التي كان ينادي بها البعض لكنها أثبتت فشلها وانكشف زيفها على المستوى العربي عموماً, وليس على مستوى مجلس التعاون الخليجي, والتي أعاقت التطلعات العربية وصياغة آليات جادة نحو بناء منظومة العمل العربي المشترك قبل ذلك. ولعل ذلك تبدى من خلال تبني استراتيجية التنمية الشاملة على كل المستويات التقنية والتعليمية والخدمة المدنية والمساواة فيما بين مواطني الدول الأعضاء, وتسهيل التنقلات والمعاملات وتوسيع ممارسة تجارة التجزئة, بما في ذلك ممارسة مجموع المهن الحيوية. وقد تكون هذه القرارات لا تقل شأناً عن الأنظمة والقوانين التي أوصلت السوق الأوروبية المشتركة لهذا المستوى المتطور جداً من العلاقات البينية على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الأمنية, والتي حمت أوروبا من الكثير من الأزمات التي طالت معظم دول العالم بما في ذلك الدول المتطورة صناعياً كدول جنوب شرق آسيا على سبيل المثال والبرازيل وغيرها, بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, وطيلة فترة ما كان يسمى بالحرب الباردة, وهي التي حافظت أيضاً على السوية الحضارية للأمم الأوروبية. لكن كل هذه القضايا التي تطرقنا لها تعتبر بالنسبة إلى اتفاقية الدفاع المشترك, شيئاً يسيراً, خاصة إذا ما علمنا على المستوى الاستراتيجي, بأن دول مجلس التعاون الخليجي قد افتقدت منذ لحظة استقلالها كدول تكتسب موقعاً جيوسياسياً, بالإضافة إلى أهميتها القصوى كدول تستحوذ على كمية مذهلة على المستوى العالمي من الطاقة. وانطلاقاً من أهمية إعلان اتفاقية الدفاع المشترك التي تنتظر الموافقة الدستورية للدول الأعضاء عليها, ونتمنى أن تتم هذه الموافقة في أسرع وقت ممكن, تكون دول مجلس التعاون الخليجي قد بدأت تخرج من الكثير من الأزمات الأمنية الضاغطة والحادة التي خلفتها حرب الخليج الثانية, ومما كانت تعانيه دول المجلس عامة والمتمثلة بالخلل الدفاعي العام, الذي دفعت دول المجلس لقاء ذلك الكثير ولا تزال تدفع قسطا ً يسيراً حتى لحظة الإعلان عن اتفاقية الدفاع المشترك في ختام القمة الحادية والعشرين. وهذا الإعلان بحد ذاته يعتبر بحق نقلة نوعية أخرى هي الأهم في بداية الألفية الثالثة ودون منازع, بل وخاصة جداً,خاصة إذا ما اعتبرنا أنه جاء نتيجة ترسخ مفهوم واحد لا ثاني له يتمثل بأن قادة مجلس التعاون الخليجي, قد توصلوا إلى قناعة ثابتة ولا رجعة عنها, مؤداها ضرورة التعاون وصياغة قدرات أمنية عسكرية دفاعية مشتركة, بهدف مواجهة أية تهديدات على أمن هذه الدول وشعوبها, أياً كان مصدر هذه التهديدات وهي كثيرة جداً, بل أكثر من أن تعد ,وتخلصت بذلك من ذريعة الضعف وضرورة الحماية, وتكون هذه الدول قد حققت ما سعت إليه منذ فترة لا يستهان بها من الزمن, ضمان بيئة استراتيجية مستقرة في المنطقة, وهذا الاستقرار بكل تأكيد لا يتحقق إلا باتفاقية الدفاع المشترك. بالإضافة إلى ذلك تكون تجربة دول مجلس التعاون الخليجي, قد خرجت كتجربة عربية رائدة من الإطار التعاوني التنسيقي على المستويات الاقتصادية, إلى الإطار التحالفي على كل المستويات والاهم الدفاع المشترك, الذي سيعطي العرب وحسب الاستطلاعات الجغرافية دفعة جديدة باتجاه اتخاذ, أو على أقل تقدير, التفكير بمثل ما توصلت له دول مجلس التعاون. ومن نافلة القول أن كل ما جاء في البيان يبقى حلماً مسطراً على الورق الممهور بالتواقيع ينتظر الخطوات الجادة التي تحقق كل ما جاء به البيان على أرض الواقع, وأن النية الصادقة والقناعة الراسخة لدى أبناء الخليج العربي قيادة وشعوباً, هي وحدها الكفيلة في ترسيخ هذه القيم والقناعات, باعتبارها واقعاً لا بد من تمثله بكل صدق. لكن السؤال الذي غالباً ما نود طرحه, هل ستكون حقاً هذه القمة هي الفيصل بين نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة ؟ وهل سيصبح مجلس التعاون الخليجي المثل الذي يحتذى على المستوى العربي والإقليمي والقاري ؟ كل هذا يبقى رهن تنفيذ ما اتفق عليه من خلال قمة المنامة, والأيام القادمة هي بكل تأكيد الأقدر على إظهار مدى الجدية لدى أبناء الخليج العربي بلا استثناء في تحقيق هذه الأماني العربية وليست الخليجية كما يتصور البعض, لأنها ستكون تجربة رائدة عربياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى النشوة والانتصار على الذات. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق