أزمة الأسماك التي دخلت أسبوعها الثاني, ليست أزمة سوق أبوظبي, والجهة المعنية بالتصدي لها ليست جمعية أبوظبي للصيادين فقط, الأهم من هذا أن الأزمة لو تركت مواجهة مباشرة بين الصيادين الآسيويين المضربين عن العمل وجمعية الصيادين, فإن الأزمة سوف تستشري عاجلاً أم آجلاً, لنرى أنفسنا في مواجهة إضرابات لا تقل حساسية وخطورة, فماذا يضمن لنا ألا يكون للعاملين في المخابز وموزعي الخبز من خلال السيارات مطالبهم المؤجلة التي سوف تنعشها حركة زملائهم الصيادين المضربين فيبادرون لتصرف مماثل, وماذا يضمن ألا يلحق بالركب غداً أو بعد غد العاملون في محطات البترول, وسائقو سيارات الأجرة, وموزعو الصحف عند الإشارات وفي الشوارع والمزارعون الهنود وعمال النظافة و... المشكلة ليست محصورة في 2000 صائد أسماك يعملون على قوارب ولنشات مملوكة لهم بكل أدواتها في سوق أبوظبي فقط, المشكلة أن كل قطاع العمالة الحيوية في المجتمع بأيد أجنبية, وهي فئة تعد بمئات الآلاف في كافة القطاعات المهنية والإنشائية وغيرها, إضافة إلى أن هذه الجموع الغفيرة ترتبط مع بعضها في تشكيلات مهنية منظمة, وفق مصالح ومطالب وقوانين تعمل من خلالها وتتحرك بواسطتها, ولذلك فإن تحركها ليس عشوائياً أو مهلهلاً وضعيفاً, بل على العكس, والدليل هذا (الاضراب) المستمر في سوق أبوظبي للأسماك دون أن تتمكن جمعية أبوظبي للصيادين من اختراقه أو اخضاعه لسياستها الهادفة إلى مصلحة المجتمع والصياد المواطن. هنا يتوجب علينا أن نطرح أسئلتنا الملحة والتي نحتاج وبسرعة لمن يجيب عليها لنتأكد من أن هناك تحركاً وإن بدا هادئاً ومتزناً, إلا أنه موجود ويسير باتجاه احتواء الأزمة والعمل على عدم تكرارها مستقبلاً, إن أسئلتنا تتجه صوب الجهة المعنية مباشرة بأمر تقنين وتنظيم العلاقة بين الصيادين والمزارعين وسلطات المجتمع المحلية والاتحادية, فمن هي الجهة وأين هي تلك الجهة المعنية مباشرة بدعم ورعاية هؤلاء المزارعين والصيادين المواطنين؟ وعلى عاتق من تقع مسئولية حماية حرفة الصيد والزراعة والصناعات المرتبطة بهما ــ وما أكثرها وأخطرها؟ ماذا فعلت وزارة الزراعة والثروة السمكية (الجهة التي نسأل عنها) وهي ترى مئات التجاوزات والاختراقات التي يقوم بها الآسيويون وغيرهم من غير المواطنين (أو حتى من بعض المواطنين أحياناً) لقطاعي الزراعة والصيد؟ ماذا فعلت إزاء الاستيلاء على حرفة الزراعة والتحكم بالصيد وأدواته, والسيطرة على سوق الصناعات المرتبطة بالصيد والأسماك؟ ماذا فعلت كسلطة اتحادية من أجل التنسيق مع البلديات (كسلطة محلية) للحد من تغلغل الآسيويين في أسواق السمك (الصيد ــ امتلاك القوارب ــ البيع ــ صناعة الشباك وبقية الأدوات تقطيع الأسماك و...) وفي المزارع وكل ما يتعلق بالزراعة؟ أصدرت قانوناً لتنظيم الحرفة, وساعدت في وجود جمعيات للصيادين, واعتمدت مساعدات للمزارعين والصيادين! فهل هذا يكفي؟ وهل من المعقول ألا نسمع رأياً ولا صوتاً لوزارة الزراعة والثروة السمكية إزاء ما يحدث في سوق أبوظبي للأسماك؟ هل هذا الموقف طبيعي وقانوني من قبل الوزارة؟ وهل من المعقول أن ينظر للمسألة وكأنها قضية خاصة بين جمعية أبوظبي للصيادين وهؤلاء العمال المضربين؟ أعتقد بأن مواجهة أزمة كالتي تعصف بسوق أبوظبي للأسماك, وتقف منها جمعية الصيادين بإصرار وقوة لتفويت الفرصة على هؤلاء المتلاعبين بقوت المجتمع تحتاج لتضافر جهود وسلطات ومؤسسات المجتمع ووعي أفراده, وتحتاج من وزارة الزراعة والثروة السمكية إلى أكثر وأبعد وأعمق من مبلغ دعم للصيادين قيمته 3 ملايين وللمزارعين قيمته 9 ملايين, في حين أن الوزارة تنفق هذه المبالغ مضاعفة على محروقات وصيانة سياراتها وعلى إتلاف أصناف متراكمة وراكدة ومواد انتهت صلاحيتها وعلى مشاركات خارجية وأتعاب خبراء ومستشارين وغير ذلك مما لا يعود إيجاباً على الصيادين والمزارعين الذين يواجه المجتمع بهم أزمة خطيرة وحادة لا تهدد الصيادين بل تهددنا جميعاً انطلاقاً من المثل القائل: (إذا احتشر جارك حشرك قريب).