بداية يجب أن نعترف أنه من الصعب علينا أن نسبق زماننا ونعيش في زمن آخر يختلف علينا ونختلف عليه كلياً, فنحن لا نستطيع أن نقفز بخطوة واحدة في ليلة وضحاها لنصل إلى نهاية القرن المقبل، أو بمعنى آخر نستكشفه ونتنبأ بما فيه, رغم أن ذلك حق مشروع للبشر جميعاً, ربما يأتي ذلك من أن النفس البشرية لا تتكيف إلا مع الزمن الذي تعرفه وتعاين أحداثه وتستوعب أناسه وأدواته وتتواصل مع تفاصيله الدقيقة. وليس معنى ذلك أن نلغي أهم صفة حبانا الله بها وهي التفكير في خلقه وتعمير الأرض واستشراف المستقبل والتنبؤ لما سيكون عليه العالم بعد مئات السنين, وكل ذلك يأتي من أهل العلم, أولئك الذين يرصدون الظواهر ويحللونها ويملكون بما وهبهم الله سبحانه وتعالى من علمٍ وموهبةٍ واطّلاع وإدراك بذرة التنبؤ بما يقدمه العلم من معطيات ظاهرة وخافية. في بداية القرن الذي نعيشه كانت الخرافة هي سيدة الكون, لأن هناك من يغذيها ويجعلها تكبر فيعلو كعبها, ولكن العلم الذي بدأت شموعه الصغيرة تتوزع في زوايا هذا العالم وتمتد أخذ يطوي خيوط الخرافة والجهل, ولهذا كبرت قامة الإنسان المتعلّم أمام المشعوذين حيث اندحروا خاسئين, ومن هنا كسب العلم أرضاًَ وأناساً وزمناً وقوة وتواصلاً ونجح في تحويل كثير من الأحلام والأمنيات إلى واقع معاش أمام دهشة المشككين وذهولهم. إن ما أفرزه الربع الأخير من هذا القرن الذي يلفظ أنفاسه ويعلن رحيله جعلنا نقول.. وماذا بعد؟ ماذا ينتظرنا من مفاجآت وحكايات واكتشافات ونحن نستعد لاستقبال قرن جديد, وماذا يخبىء العالم بعد ان توالت ردود الفعل العالمية على الاكتشافات المثيرة في مجال الهندسة الوراثية, حتى أن أحد العلماء أشار إلى عبارة قال فيها: إن البحوث البيولوجية ستكون أكثر إثارة وأعظم فائدة وتأثيراً في الحياة العامة من غزو الفضاء والتجول على القمر أو المريخ أو البحث عن وجود حياة في الكواكب البعيدة الأخرى. ويبدو أن تلك العبارة التي قيلت قبل ثمانية عشر عاماً أصبحت واقعاً معاشاً فهاهم الروس يفكرون في إيقاف محطة الفضاء (مير) التي تحلّق في الفضاء منذ حوالي ثلاثة عشر عاماً والمقرر رسمياً أن تسقط في مياه المحيط الهادي في غضون العام الحالي, إذ تواجه وكالة الفضاء الروسية صعوبات في التمويل.. ورغم ذلك يرسم العلم أملاً جديداً نحو آفاق أخرى وعوالم لم نعرفها بعد, فمن يتتبع أنباء العلم والاكتشافات يرى أن القرن المقبل سيحمل آمالاً كبار نحو حياة أفضل, فها هي التجارب الأولية لإعادة البصر إلى الفاقدين تماماً تلك النعمة تحقق نجاحاً كبيراً بعد أن نجحت تجارب بث صور إلكترونية في شبكية 15 شخصاً مصاباً بالعمى الكلي. وأشارت مصادر طبية إلى أن الباحثين سيتمكنون في غضون السنوات الخمس المقبلة من إعادة البصر الجزئي لفاقدي البصر تماماً. قد يكون ذلك حلماً صعب التصديق لدى البعض, لكن الواقع يقول إن العلم لا يقف عند حدود معينة فهو متواصل بالتجربة ومتجدد بالبحث ومصيب لأهدافه بالعزيمة والإيمان والتصميم. فعدم التصديق بما يفوق العقل العادي والزمن المعاش قد يبدو عادياً, خاصة وأن أغلبنا يعيش زمنه ومرحلته وتفكيره, وحتى لا نذهب بعيداً نضرب مثلاً على ذلك القصة التي حدثت في نيويورك في عام 1913, فقد عرضت إحدى المحاكم قضية أصبحت حديث الناس في تلك الفترة, حيث أخذ ممثل الادعاء يكيل تهم النصب والاحتيال والخداع إلى مخترع شاب يدعى دي فورست ضئيل الجسم, رث الثياب أشار إلى أنه رمى بشباكه على عدد من الأبرياء ليبتز أموالهم في مشروع وهمي لا يصدقه إلا كل عقل ضعيف. ولكن ما هو هذا المشروع؟ بصوت لا يخلو من السخرية أمسك ممثل الادعاء بيده أداة النصب كما يدعي وأخذ يلّوح بها أمام هيئة المحكمة.. وكانت أداة النصب انتفاخاً زجاجياً صغير الحجم, خفيف الوزن, تلف خاصرته مجموعة أسلاك مرتبة بعناية, وهي في ظاهرها لا تعني شيئاً في عقول الناس. ولكن ما الذي فعله المتهم؟ ببساطة أشار ممثل الادعاء إلى أن المتهم وقّع بإمضائه قرارات غريبة متعمدة التضليل تشير إلى أن هذا الجهاز سوف ينجح في نقل الصوت البشري يوماً عبر المحيط الأطلسي, وقد أقنع بعض السذج من المستثمرين بدفع أسهم مالية في شركة حملت اسمه. وقد أطلقت هيئة المحكمة سراحه بعد أن لقنته درساً إرشادياً قاسياً مطالبة إياه بأن يتخلى عن جنونه والتظاهر بكونه مخترعاً والبحث له عن وظيفة يعتاش منها. لم تفهم هيئة المحكمة ولا الناس في ذاك الزمان أهمية ذاك الانتفاخ الزجاجي, ولم تكن عقولهم مهيأة لتقبل فكرة إمكان نقل المكالمات عبر المحيط دون الاستعانة بأسلاك الهاتف التقليدية, واعتبروا تلك الفكرة غباءً وجنوناً.. كل هؤلاء لم يفطنوا أن هذا الانتفاخ ما هو إلا أنبوبة الأوديون التي ثبت أنها أعظم اختراعات القرن العشرين, فتلك الأنبوبة الزجاجية المتواضعة آنذاك هي الأساس الذي قامت عليه التكنولوجيا الإلكترونية فأدت إلى اختراع مكبرات الصوت والاتصالات الهاتفية عبر المحيطات ونقل الصور بالموجات وغيرها من الاكتشافات التي أفرجت عنها تلك الأنبوبة السحرية. قد تصبح كثير من الأفكار والأحلام التي لم تتحقق جزءاً من الماضي البعيد بعد عشر سنين أو أقل, وربما نسمع من يقول مساكين أبناء القرن العشرين لقد كانت أفكارهم وتطلعاتهم متواضعة, أليس كذلك!