هل فلاديمير اليوم نسخة من فلاديمير الامس؟ التشابه في الاسم الاول بين فلاديمير بوتين وفلاديمير لينين ليس القاسم المشترك الاوحد بين هاتين الشخصيتين الروسيتين. وجه الشبه الاكبر بينهما هو اعادة بناء روسيا لتصبح قوة عظمى تقودها في الداخل والخارج سلطة مركزية تنشر سيطرتها على كل قطاعات الحياة. هل فلاديمير بوتين اذن ماركسي كما كان سلفه الذي اسس دولة الاتحاد السوفييتي ابتداء من عام 1917 بعد ثورة مسلحة بقيادة الحزب الشيوعي؟ منذ ان تسلم زمام السلطة قبل نحو عام لم تبدر عن بوتين الذي كان من كبار مسئولي جهاز الاستخبارات الخارجية في العهد السوفييتي اي اشارات يمكن ان يستدل منها انه يعتنق الفكر الماركسي. لكنه من ناحية اخرى لم يبدر عنه اطلاقا ما يمكن ان يعتبر اساءة الى ذلك العهد الذي انطوت صفحته بحلول اوائل عقد التسعينيات. ما يمكن تسجيله دون تردد هو ان بوتين اشتراكي النزعة قومي التوجه في آن معا. وبغض النظر عن نظرته الى الماركسية كنظام للحكم فإنه يعتبر ــ كما تدل اقواله وافعاله ــ ان العهد السوفييتي كان عهد المجد الروسي. الآن يريد فلاديمير بوتين اعادة مجد روسيا استلهاما لنموذج سيطرة الدولة المركزية على الاقتصاد والثقافة والسياسة الخارجية من منظور اشتراكي. فهل يستطيع؟ وما هي فرص نجاحه؟ المهمة ليست مستحيلة.. لكن على الطريق عوائق جسيمة. ويكفي للتدليل على انها ليست مستحيلة ان ننظر في النموذج الصيني الذي بين ايدينا. ففي عصر المد الرأسمالي العالمي وطغيان فلسفة (اقتصاد السوق) وكأنها عقيدة مقدسة لا يجوز تحديها استطاعت الصين ان تجعل نظامها الاشتراكي يتصالح مع مبدأ (اقتصاد السوق) اي الحرية الرأسمالية دون ان يفقد جهاز الدولة سيطرته التخطيطية على حركة الاقتصاد الوطني ودون ان يفقد الحزب الحاكم سيطرته على جهاز الحكم. ومع ذلك يسجل الاقتصاد الصيني معدل نمو سنويا يعادل ثلاثة اضعاف المعدل الامريكي. لكن امام بوتين مشكلتين عظيمتين: اولا هو زعيم اشتراكي بلا حزب اشتراكي. وفي هذا تختلف حالة روسيا عن حالة الصين بل عن حالة روسيا نفسها في العهد السوفييتي. وثانيا, ليس التحدي الماثل امام فلاديمير بوتين هو تحديث نظام اشتراكي قائم بالفعل وانما اعادة انشاء نظام اشتراكي من الصفر تقريبا. ولمواجهة التحديين فإن بوتين يطرح نفسه كزعيم قومي لكل قطاعات الشعب الروسي. وعلى هذا النحو فإنه يبني جبهة قومية عريضة تشارك فيها كل القوى والعناصر المتشوقة الى اعادة المجد الروسي الاشتراكي.. وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الروسي نفسه. وبهذا فإن بوتين يهدف الى اعادة احياء ذلك الشعور الوجداني الشامل الذي ينتظم الغالبية العظمى للشعب الروسي نحو مرحلة ماضية كانت فيه الاسرة الروسية العادية تتمتع بكريم العيش مع كرامة الذات في احضان دولة كانت القوة العظمى الثانية في العالم. في عملية تأسيس الاتحاد السوفييتي بدأ فلاديمير لينين بتأميم الصناعات كلبنة اولى في بناء الدولة ذات التخطيط المركزي. اما فلاديمير بوتين فإنه يتجه نحو حركة تأميم من نوع آخر.. هي في الحقيقة اعادة تأميم لمؤسسات فقدتها الدولة عن طريق الخصخصة. ونحتاج ان ننتظر لنرى كيف يواجه فلاديمير الجديد القوى ذات المصلحة داخليا وخارجيا التي تتأثر بإعلان الحرب ضد الخصخصة.. وفي مقدمتها مجموعة من المليارديرات اليهود.