يلاحظ بوضوح حجم المعاناة التي تواجهها القيادة الفلسطينية في تحديد موقفها من المقترحات الامريكية. فهي تقف على مفترق تاريخي يحدد مصير الشعب الفلسطيني وقضيته, ومصيرها هي, ومدى اهليتها ، لقيادة شعبها وتمثيله. لان الموضوع الذي تناقشه ليس حلا مؤقتا, ولا اتفاقا مرحليا, بل هو حل يريد له الجانبان الاسرائيلي والامريكي أن يكون حلا نهائيا, يقفل باب الصراع, وينهي المطالب الفلسطينية لدى اسرائيل, كما تقول الورقة الامريكية. وبالتالي فإن اي خطأ تقع فيه هو خطيئة لا تغتفر. ذلك ان الاخطاء والاجحافات التي وقعت في الاتفاقات المرحلية بدءاً من اتفاقات اوسلو وما تلاها من بروتوكولات تفصيلية على مدى سنوات الحكم الذاتي السبع جرى تبريرها او تفسيرها اما باللهفة على اقتناص اعتراف من اسرائيل بأي حق من حقوق الشعب الفلسطيني او اعترافها بالشعب الفلسطيني وممثله, او بعدم الانتباه نتيجة قلة الخبرة, او الجهل بالالاعيب الاسرائيلية, وفي كل تلك المرات كان يقال: ان تلك الاخطاء او النواقص يمكن تداركها في مفاوضات الحل النهائي التي تتناول القضايا الرئيسية. ورغم ان تجنب تلك الاخطاء في حينها, كان يمكن ان يعفي شعبنا من الكثير من المآسي التي اصابته بسببها, وكان يمكن ان يجعل من الموقف التفاوضي الفلسطيني الآن افضل مما هو عليه بكثير, فإن شعبنا ــ من قبل منه تلك التفسيرات, ومن لم يقبلها ـ منح القيادة فرصة الوفاء بوعودها بتدارك ما فاتها في الماضي, والتنبه لعدم الوقوع في اي خطأ يتعلق بأي من قضايا الحل النهائي, لان اي خطأ في الحل النهائي يعتبر قاتلا اذ لا مجال لتداركه بعد موافقتها على اقفال الملفات - ان وافقت - ولا عذر لها بعد تمرسها في هذه التجربة الطويلة من المفاوضات مع الجانبين الاسرائيلي والامريكي, ومعرفتها لنواياهما ومخططاتهما, ويفترض ان هذه التجربة قد اتاحت لها: اولا: اكتشاف خطورة النصوص الغامضة التي جرى تفسيرها دوما لصالح وجهة النظر الاسرائيلية. وثانيا: معرفة كافية بالطبيعة المناورة والمخادعة والمتعنتة للطرف الاسرائيلي. وثالثا: الاطلاع على مدى انحياز الموقف الامريكي بعد ان اثبت لها في كثير من المواقف انه اكثر تعنتا من الجانب الاسرائيلي في الدفاع عن المطالب الاسرائيلية. ورابعا: اكتشاف مدى الحاجة لضمانات دولية موثوقة تتولى الاشراف على تنفيذ اي اتفاق وذلك كشرط مسبق لاي توقيع. والى جانب هذه الخبرة المكتسبة, اعطى الشعب الفلسطيني قيادته كل الدعم الذي يعزز صمودها, فصعد من نضالاته, وقدم ولازال التضحيات الجسيمة, وتحمل كل اشكال المعاناة, وتجاوز عن الكثير من السلبيات, وامهلها محاسبة المسيئين اليه واليها. وهو بذلك لا يدعوها فقط للتمسك بثوابته الوطنية, وانما يقطع الطريق على اي عذر او ذريعة يمكن التعلل بها للتهاون في اي حق من حقوقه, ويضع ثقته فيها موضع الاختبار. بهذه الصورة تبدو القيادة الفلسطينية مسلحة بقوة الحق الذي تملكه وبغنى التجربة التي اكتسبتها, وبالدعم الشعبي الذي تريده وكلها اسلحة ذات اثر بالغ في حسم اية معركة, لكن القيادة الفلسطينية تواجه من ناحية اخرى عوامل تضغط عليها للتقليل من آثار مقومات الحسم التي تملكها. فهناك عامل الوقت الذي لا يسعفها. فالجانب الامريكي لم يمهلها اكثر من ايام معدودات حتى تجيبه بالايجاب على مقترحاته, وهو لا يمنحها فرصة الاستفسار او الاستيضاح ولايريد ان يلتزم امامها بأي تفسير أو موقف. بل يريد اقتناصها (وكلفتتها) بالموافقة على نصوصه التي صيغت استجابة للمطالب الاسرائيلية, اما صراحة, واما من خلال غموض يسمح لاسرائيل بتفسيره على هواها عند التطبيق. ولا يكتفي الجانب الامريكي بضغطه المباشر على الطرف الفلسطيني, بل يقوم بتجنيد أوسع موقف أوروبي ودولي ليمارس ضغوطه على الفلسطينيين للقبول. وفي حين تجند اسرائيل والادارة الامريكية المجتمع الدولي للضغط على الطرف الفلسطيني, يغيب الموقف العربي الرسمي, ويبدو متفرجا على ما يجري ــ ان لم يشارك بعضه في ممارسة الضغط استجابة للارادة الامريكية ــ في حين يلعب البعض الآخر دور الاستشارة او النصح, وهو اقصى دعم يقدمه للفلسطينيين في معركتهم السياسية القاسية. وباستثناء عدد محدود من الدول العربية يشترك معظم الدول العربية في تقصيرها المادي في دعم الشعب الفلسطيني وانتفاضته. وكل ما قيل عن أموال قررت أو رصدت مازالت تتعثر في طريق الوصول ــ هذا ان كانت ستصل ــ. وهذه المعاناة الاقتصادية الناجمة عن نقصان الدعم الخارجي من جهة, والحصار الذي تفرضه اسرائيل من الداخل من جهة اخرى, هي الآن أحد اهم الاسلحة التي تستخدم للضغط على الشعب الفلسطيني للاستسلام للشروط الاسرائيلية والأمريكية, يرافقها تصعيد غير مسبوق في عمليات القتل الاسرائيلية التي طالت البشر والحجر والشجر الفلسطيني. وأخيرا يأتي تخويف القيادة الفلسطينية من امكانية مجيء اليمين الاسرائيلي بقيادة شارون للحكم في حال لم تساعد القيادة الفلسطينية ايهود باراك بمنحه موافقتها على صفقة السلام لا يقلل أحد من حجم الصعوبات والضغوطات التي تواجهها القيادة الفلسطينية, ولكنها جميعا, ودون انكار لآثارها السلبية على حياة الشعب الفلسطيني وزيادة معاناته, حين توضع في كفة وفي الكفة الاخرى التفريط بالحقوق الوطنية أو التنازل عنها, فان هامش الاختيار يضيق تماما, بل ينعدم لصالح الانحياز لحقوق الشعب وثوابته. ولا نظن ان القيادة الفلسطينية تملك غير هذا الخيار, خاصة اذا أيقنت أن امكانيات شعبها على الصمود مازالت كبيرة, وأنه قادر ليس فقط على تحمل الأذى من الجانب الاسرائيلي, بل هو قادر على رد الاذى بما يماثله وربما أكثر بدليل أنه أثار الذعر والانقسام في هذا المجتمع. واذا كان باراك في طريقه الى السقوط فذلك نتيجة سياساته تجاه الشعب الفلسطيني, ونحن لسنا معنيين بانقاذه, وعليه هو ان يسعى لانقاذ نفسه بتغيير سياساته, لا أن نغير نحن قناعاتنا. ومن ناحية اخرى, ليست مسئوليتنا ان نقدم حقوقنا قربانا وهدية للرئيس كلينتون بمناسبة رحيله. فلم يقدم طيلة سنوات حكمه الثمانية غير المزيد من الدعم والتشجيع لاسرائيل لزيادة قمعها لشعبنا واستيطان ارضنا. واما الخشية من الا تتفهم الادارة الامريكية الجديدة قضيتنا, او ألا تتعاطى في وقت قريب معها, فان ذلك لا يجب ان يكون مصدر قلق او تسرع للطرف الفلسطيني, لأن تفهم القضية على طريقة كلينتون لا يشكل تأخره أي خسارة. واما توقيت تعاطيها مع قضيتنا, ومع قضية الصراع العربي الاسرائيلي عموما, فذلك يقرره استمرار فعلنا على الارض, وهذا وحده كفيل لأن يدفعها للتحرك بأسرع مما نتوقع, وهي في كل الحالات لن تكون اسوأ من ادارة كلينتون. كاتب فلسطيني