كان لابد أن أرى هذا الميدان الذي يقف كالشوكة في حلق العلاقات المصرية الايرانية.. كان لابد أن أرى الميدان الذي يحمل اسم قاتل (أنور السادات).. (خالد الاسلامبولي).. ولم يكن من الصعب الوصول إليه.. فهو في قلب العاصمة الإيرانية.. (طهران).. وكان أشهر معالمه السفارة المصرية التي أختير هذا الاسم خصيصا ليؤلمها.. فلك أن تتخيل أن يكون مقر التمثيل الدبلوماسي لمصر في ميدان يحمل اسم قاتل أحد رؤسائها.. وقد باعت السفارة المصرية قصرها العتيق الأنيق هناك.. فهي لم تقبل الاستفزاز بهذه الطريقة البلهاء.. وانتقلت الى أكثر من مكان متواضع.. وأخيرا استقرت في (فيللا) مناسبة وضعت فيها كل ما كان مهملا ومكوما من تحف ولوحات وتماثيل وسجاجيد قديمة لا تقدر بثمن.. وكانت مهددة بالبيع برخص التراب. وتعترض الدبلوماسية المصرية على وجود اسم (خالد الاسلامبولي) أصلا وتعتبره سببا مباشرا لتعطيل عودة العلاقات بين البلدين.. ومن جانبها ترد الدبلوماسية الإيرانية بأن مصر في عهد (انور السادات) استقبلت الشاه (محمد رضا بهلوي) ودفنته الى جوار أبيه في مسجد (الرفاعي) في (القاهرة).. أي واحدة بواحدة. لكن.. الثورة التي نضجت وتحولت الى دولة وجدت أن مستقبل العلاقات والمصالح بينها وبين دولة كبرى في الشرق الأوسط مثل مصر لا يجوز أن تتوقف على لافتة في ميدان.. أو جثمان تحت الأرض.. أو تصرفات وتصريحات لا تصلح إلا للنشر في مجلة حائط تصدرها جماعة الكشافة في مدرسة ابتدائية.. لقد وجد الرئيس (محمد خاتمي) الذي يمثل السلطة الجديدة في ايران ان سياسة الانفتاح على العالم التي تبناها هي سياسة لا مفر منها وإلا اختنقت بلاده من الوحدة والعزلة وتجمدت في مكانها دون أن تسمح لأحد بقراءة الفاتحة عليها.. ولم يكن من الممكن الايمان بهذه السياسة دون أن يفكر في مد الجسور بينه وبين مصر.. بوابة المنطقة ومفتاحها.. ومصباحها السحري.. وهذا كلامهم. وقد تراجعت الشروط الايرانية المتعسفة لإعادة العلاقات.. فحسب آخر سيناريو فإن على أي مسئول مصري عند أي مستوى من المستويات أن يعلن: (أن معاهدة كامب ديفيد عفى عليها الزمان) وهي جملة أدبية تحمل حقيقة سياسية.. فالنزاع العربي الاسرائيلي باعتراف جميع أطرافه قد تجاوز (كامب ديفيد) الأولى.. والدليل على ذلك وجود (كامب ديفيد) الثانية.. وفي الطريق (كامب ديفيد ) الثالثة.. وربما رابعة.. وسابعة.. ولا تطلب الدبلوماسية الايرانية بأكثر من هذا التصريح الشكلي الذي يحفظ لها ماء الوجه لتقوم من جانبها باعلان عودة العلاقات بين البلدين دون تسمية السفراء.. ولترفع اسم (خالد الاسلامبولي) من كل ميادين (طهران).. وتضع بدلا منه اسم الطفل الشهيد (محمد الدرة).. وهكذا تعود المياه الى مجاريها. وحتى توافق (القاهرة) على هذا السيناريو فإن الباب الموارب بين البلدين يسمح بتبادل الوفود التجارية والاستجابة للمناسبات الرسمية.. لقد حضرت مصر في الفترة الأخيرة العديد من المؤتمرات السياسية والدينية التي عقدت في (طهران).. وتبادلت الغرف التجارية هنا وهناك الزيارات.. والمجاملات.. والأمنيات.. لكن.. ليس أكثر.. فالكل ينتظر فتح الباب الموارب على مصراعيه. على أن الايرانيين من جانبهم يفعلون المستحيل لتمهيد الطرق وفرشها بالرمال.. فلم تعد اللهجة المعادية الساخنة تسيطر على صحفهم ومجالسهم وتصريحاتهم الرسمية.. على العكس.. بدءوا يتجاهلون النصف الفارغ من الكوب.. ويشيرون الى النصف الآخر.. وبدءوا يتحدثون عن المصابيح المضيئة التي استمرت على حالها رغم الظلام الحالك الذي ساد العلاقات بين البلدين.. وأغرقها في بحار مسممة بالشك والقلق والتوتر والاضطراب والتربص وتبادل الاتهامات. لقد سمعت الصفوة السياسية في (طهران) يتحدثون عن (جمال الدين الافغاني).. أول هذه المصابيح المضيئة.. إنه أعظم مفكر إسلامي يحترمه ويحبه الايرانيون.. فاسمه يرتبط بتحدي الغرب.. وقد احتضنته مصر فترات طويلة من حياته (1839-1897) وفيها عبر عن أفكاره الاسلامية الثورية.. فالإسلام عنده يتجاوز الشعائر والعبادات الى تنظيم المجتمع.. لكن ذلك ليس أمرا هينا لأنه يحتاج الى اصلاح ديني شامل.. وقد ولد (الأفغاني) في ايران.. لذلك يلقبونه هناك بجمال الدين (الإسلام أبادي) نسبة الى مدينة (إسلام أباد).. لكنه كان يفضل أن يعده الناس سنيا من أفغانستان كما يدل لقبه الذي اختاره بنفسه. ولا ينسى الايرانيون أن مصر استقبلت زعيمهم الجريء (محمد مصدق) ووقفت وراءه بعد أن أصبح رئيسا للوزراء في 19 ابريل عام 1951. وكانت مصر أول دولة يزورها بعد أن أصدر قانون تأميم البترول بحوالي 3 أسابيع.. وقد ظل (مصدق) في الحكم الى ما بعد قيام الثورة فنال المزيد من التأييد من زعيمها (جمال عبدالناصر) ورفاقه.. لكن التأييد لم يصل الى حد الدعم والمساندة لمواجهة الانقلاب الذي دبره مسئول الشرق الأوسط في المخابرات المركزية الأمريكية (كيرميت روزفلت) ضد (مصدق) في العملية السرية التي نفذت تحت اسم (سوبر أجاكس) والتي استرد بعدها الشاه عرشه.. مقابل الولاء الكامل والخضوع الكامل لواشنطن.. وقد قبض على (مصدق) وسجن في زنزانة تمتلى بالماء فأصيب بالروماتيزم والشلل قبل أن يوصله القهر الى القبر. ولا ينسى الايرانيون (جمال عبدالناصر).. فقد كان أشد الزعماء عداء للشاه.. وقد أمر جمال عبدالناصر باستقبال ثلاثة أعضاء أساسيين من معارضي الشاه تقلدوا فيما بعد مناصب وزارية في أول حكومة للثورة الاسلامية هم: (ابراهيم يزدي, وصادق قطب زاده, ومصطفى شمران ).. وقد وصلوا الى (القاهرة) في منتصف الخمسينيات واتصلوا بالمسئول عن العلاقات العربية في المخابرات المصرية (فتحي الديب) وأبدوا رغبتهم في التدريب على السلاح لأنهم قرروا مواجهة نظام الشاه بحرب العصابات.. فأرسلوا الى معسكر في ضيعة (أنشاص) التي كانت استراحة ريفية للملك فاروق.. وكان هذا المعسكر مخصصا لتدريب أعضاء جبهات التحرير المختلفة.. لكن بعد قليل دب النزاع بينهم وبين مضيفيهم على حد قول (محمد حسنين هيكل) في كتابه (مدافع آية الله) لأن القسم المختص من المخابرات المصرية كان يريد من اللاجئين الايرانيين أن ينضموا للعمل في الاذاعة الموجهة من (القاهرة) للهجوم على الشاه.. لكنهم رفضوا مصرين على أنهم حضروا الى (القاهرة) للتدريب على فنون القتال فحسب وأن الكلمات لن تفلح في الإطاحة بالشاه.. ولم يفلح أحد في اقناعهم بأن احتمالات المقاومة المسلحة في ايران كانت في حكم المستحيل وأن الدعاية عن طريق الاذاعة سلاح قوي فعال للغاية في ترسانتهم الى أن تحين اللحظة المواتية.. لكن النزاع استمر.. وقرروا مغادرة القاهرة.. وكان عددهم قد زاد الى خمسين.. وذهب بعضهم الى الولايات المتحدة.. واتجه البعض الآخر الى لبنان لمزيد من التدريب. ويثبت (فتحي الديب) في كتابه الوثائقي (عبدالناصر والثورة الايرانية) أن الثوار الايرانيين كانوا يتمتعون في مصر بالأمان (المعقول) بعيدا عن رقابة أجهزة وعملاء وكالة المخابرات المركزية.. و(الموساد).. وجهاز الأمن الإيراني الشرس (السفاك) الذين كانوا يعملون في المنطقة بأقصى طاقاتهم.. وكان (السفاك) بالذات يخيف الايرانيين ويسبب لهم اضطرابا نفسيا وسياسيا حتى أنهم قالوا عنه: (لا تدعو الله ولو في سرك حتى لا يسمعك السفاك). وعندما أصبح (آية الله الخميني) زعيما يلفت الأنظار ويجمع بين التفسير الديني والتحريض السياسي اتخذ خطوات مباشرة لمساعدة أسر ضحايا الانقلاب المضاد للدكتور (مصدق) أو الثوار الذين اختفوا أو هاجروا للمنفى.. وبعث (الخميني) برسائل الى جميع رؤساء دول العالم الاسلامي يطلب منهم المساعدة.. وكان على رأسهم (جمال عبدالناصر) الذي أمر بارسال 150 ألف دولار عن طريق (عبدالحميد السراج) رئيس جهاز المخابرات في سوريا التي كانت جزءا من الجمهورية العربية المتحدة في ذلك الوقت لكن الرجل الذي أرسله (السراج) الى (طهران) ألقي القبض عليه في المطار.. كان رجال (السفاك) في انتظاره على سلم الطائرة. ولا ينسى الايرانيون كذلك الشيخ (محمود شلتوت) الشيخ الأسبق للجامع الأزهر. ولا ينسون دوره في تقريب المذاهب الاسلامية.. ولا ينسون اعترافه بالمذهب (الجعفري) كمذهب من مذاهب الشيعة.. وهو المذهب الذي ينسب الى الامام (جعفر الصادق) وهو الامام السادس من أئمة الشيعة الاثني عشر ( 700-756 ميلادية) وكان مشهورا بعلمه.. وكان أول من أفتى بحق الامام في تعيين وكيل له يقوم مقامه (بشرط أن يكون شخصية مثالية تسمو على الاعتبارات الدنيوية ويجيد تفسير تعاليم الامام).. وقد جاءت فتواه لمواجهة الخطر الذي كانت فيه قيادات الشيعة وقبل اختفاء الامام الثاني عشر بحوالي قرن من الزمان.. فقد اختفى في عام 873 وهم ينتظرون عودته.. عودة الامام الغائب.. والمهدي والمرشد والمعصوم الذي سيقيم العدل ويحرر الفقراء.. واعتراف الشيخ (شلتوت) لفرق الشيعة يعكس التسامح الديني في مصر.. فالمصريون لا يفرقون بين مسلم سني ومسلم شيعي.. وهم سنيون لكن كثيرا من عاداتهم شيعية.. بل أنهم نقلوا الى الشيعة بعضا من طقوس الفراعنة وقت أن كان الشيعة مذهبا مسيطرا على مصر.. خاصة طقوس الموت.. فهناك في ايران ثلاث مناسبات يتجمع فيها الشيعة لاحياء ذكرى الموتى تمتد أصولها الى عادات المصريين القدامى.. الأولى وتسمى (مجالس العزاء) وتقام بعد الوفاة مباشرة والثانية وتسمى (مجالس التراحيم) وتقام كل خميس.. حيث يلتقي الأهل والأصدقاء ليتذكروا محاسن الفقيد.. وتستمر كل خميس حتى يوم الأربعين من الوفاة.. فيكون (مجلس الأربعين) وهو اليوم الذي يفترض فيه صعود الروح الى بارئها في السماء.. و كان أول من آمن بذلك هم الفراعنة. ولا يزال صوت (أم كلثوم) يثير الشجن عند الإيرانيين.. أكثر خلق الله تمايلا مع الطرب.. لكنهم في الوقت نفسه يفتحون كل مسامهم لأصوات مشاهير قراء القرآن الكريم من المصريين.. إن الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى الشعشاعي والشيخ عبدالباسط هم سفراء مصر في كل العهود في بيوت الايرانيين. على أن.. هذه المصابيح المضيئة لم تستطع أن تنفي الظلام الحالك الذي سيطر على سماء العلاقات بين (القاهرة) و(طهران).. بل أن ضوء هذه المصابيح كان قد خفت وراء السحب والغيوم التي تكاثفت بعد الثورة الايرانية.. لقد أيدت تيارات سياسية متنوعة في مصر من الإخوان الى الشيوعيين هذه الثورة.. فهي على الأقل خلصت المنطقة من حاكم كان يهدد جيرانه ويصف نفسه بأنه شرطي (الخليج) وتجاوز في لعبه هذا الدور حدوده الاقليمية.. لكنها سرعان ما عزلت نفسها (قبل أن يحاول أحد عزلها بعقدة الاستشهاد المحببة عند الشيعة) على حد تفسير (محمد حسنين هيكل) وكان أن تحولت من ظاهرة انسانية هائلة في أيامها الأولى الى ظاهرة شيعية داخل ايران في مدة لا تتجاوز سنة واحدة.. وبدأ الخوف يتزايد مما وصف بعملية (تصدير الثورة) ودعم جماعات العنف الارهابية التي نشطت أحلامها في أن يتكرر ما حدث في (إيران) على أرض (مصر). ولم يتوقف (أنور السادات) عند حد استقبال الشاه وعلاجه في (القاهرة) ودفنه في واحدة من أشهر وأعرق مساجدها بعد جنازة رسمية عسكرية وإنما وافق على المشاركة في عملية عسكرية هي عملية (تاباز) لتحرير رهائن السفارة الأمريكية في (طهران) الذين اعتقلهم الحرس الثوري لمدة 444 يوما.. وقد فشلت العملية وانتهت بمزيد من التربص وسوء الظن بين (القاهرة) و(طهران).. وجاءت الحرب العراقية الايرانية باضافة توتر اضافي بين البلدين.. فقد وقفت مصر الى جانب (العراق).. لحماية تركيبته الوطنية (شيعة وسنة وأكراد) وحتى لا يجد نفسه مهددا بالتفتيت وبتجاوز جماعات من شعبه لحدود الوطن وترتبط بدولة أخرى بفعل جاذبية المشاعر الدينية أو المذهبية. وفي تلك الأيام بدت أزمة الثورة الايرانية واضحة في قصورها في التفرقة بين مرحلة الثورة ومرحلة الدولة.. (فكل واحدة منهما لها اسبابها وذرائعها.. ولها دورها وأساليبها).. ولم تكن الثورة الايرانية نموذجا فريدا في هذه الاشكالية.. فكل الثورات في الغالب عاشتها وعانت منها.. لقد وجدت (دولة الثورة) في (ايران) نفسها وقد تجاوزت حدود القوة المقبولة والمسموح بها.. وهو ما حرمها من الوهلة الأولى من البعد الاستراتيجي المحيط بها في المنطقة.. ومهما قيل في أنها كانت مضطرة الى أن تحمي نفسها خارج حدودها فإن أي عمل خارج الحدود له بضرورة الأحوال حدود. لكن.. أغلب الظن أن (دولة الثورة) في (ايران) لم تعرف حدود العمل خارج الحدود.. فكانت الحرب مع العراق.. وكان دعم الأحزاب الشيعية في (لبنان).. وكانت الجسور الخفية بينها وبين الجماعات المتطرفة في (مصر).. وكان طلب (الخميني) المباشر لـ(ياسر عرفات) بأن تكون الثورة الفلسطينية ثورة إسلامية لا ثورة قومية.. وكان احتلال الجزر الثلاث في الخليج (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى).. وهو ما يعني أن دور الشرطي الذي استنكرت الثورة الايرانية على الشاه أن يلعبه قد وجدت نفسها تلعبه. على أن الايام والتجارب أصابت الثورة الايرانية الاسلامية بما أصيبت به كل الثورات الوطنية والشيوعية.. التآكل من الداخل.. والعجز عن تحقيق أحلام الناس الذين آمنوا بها وضحوا في سبيلها.. وسيادة البيروقراطية مهما كان طرازها.. سياسيا.. عسكريا.. أو دينيا كما هو الحال في الثورة الايرانية.. يضاف الى ذلك اشتعال نيران الصراع في قوى السلطة وهي قوى لها آليات مدنية في الواجهة والصدارة.. برلمان.. وصحافة.. وانتخابات.. ورئاسة.. وحكومة.. ولكن الكلمة الأخيرة في اللعبة السياسية لرجال الدين وآيات الله والمرشد العام.. فكل ما يصل اليه المجتمع المدني من تطور وتغير وإنجاز تشطبه السلطة الدينية بجرة قلم.. وهو ما أنهى عقيدة (تصدير الثورة) بعد حوالي 20 سنة من قيامها.. فالاستهلاك المحلي للصراع سد الحاجة القديمة للتصدير. والصراع المحلي ليس سهلا ولا هينا.. إنه صراع بالدم.. تصفيات جسدية للمثقفين والإصلاحيين والانفتاحيين.. سد كل منافذ حرية الصحافة.. حبس طوابير من الصحفيين ورؤساء التحرير.. تفجيرات علنية.. مؤامرات من داخل النظام على بعض أعمدة النظام استخدمت فيها أجهزة الأمن والمخابرات.. إنه صراع بالدم والرصاص وشظايا القنابل وبقايا الحديد المنصهر.. لكنه في النهاية يحمل كل خصائص الانتحار والاستشهاد في الشخصية الايرانية.. لقد ارتد العنف الى الخارج.. فأصبح الطريق ممهدا أمام علاقات طيبة في الداخل.. وعلى رأسها علاقاتهم مع (مصر).. وهم ينتظرون الاشارة.