أزمة الأسماك في أبوظبي, هي أزمة انفجرت فوق سطح ساخن, بانتظار انفجارات أخرى, فلن نستغرب أبدا أزمة مشابهة وربما أكثر حدة في أسواق الامارات الأخرى, والسبب لم تخلقه جمعية أبوظبي للصيادين, الأسباب معروفة لنا جميعا, والحديث فيها ليس سوى نكء لجراح مسكوت عنها منذ أكثر من 25 سنة. كيف يجب أن نناقش أزماتنا المتفاقمة يوما بعد يوم؟ أو ما الطريقة المطلوب منا أن نعالج بها هذه الأزمات؟ بهدوء, بغضب؟! عن نفسي ــ وكثيرون غيري بلا شك ــ نفضل المناقشة بطريقة بسط الحقائق مهما كانت جارحة ومؤلمة, لانها الطريقة الوحيدة للوصول إلى قناعة بمدى الخطر, وبالتالي المسارعة باتجاه البحث عن مخرج وليس عن حل مؤقت, ومخدر موضعي لتعويم المشكلة, وتهدئة الرأي العام. وإذا كان رغيف الخبز في بعض البلدان يشكل سلعة الحياة الأولى التي لا تقبل المساومة والتلاعب بالنسبة للمواطنين, مما قد يقود لاضطرابات خطيرة في حالة اختفائها من الأسواق, أو ارتفاع أسعارها, وهذا ما تابعناه في أحداث (أزمة الخبز) في الأردن في عهد وزارة (الكباريتي), فإن الأسماك في مجتمعات الخليج وفي الامارات تحديدا توازي رغيف الخبز هذا, حيث ان وجبة (الارز والسمك) هي الغذاء الرئيسي واليومي لآلاف الأسر المواطنة على امتداد رقعة الدولة, وهم يحصلون أو يفترض أن يحصلوا على مقومات هذه الوجبة وخاصة الأسماك بسهولة ويسر, وبسعر مناسب لعدة اعتبارات لعل أولها ان الامارات بلد ساحلي ذو وفرة معروفة في الأسماك. أما ان يصل الأمر إلى ان بلدا بأكمله يسلم زمام قوته اليومي لعمال جاءوا من كل فج عميق للارتزاق والتكسب, فإذا بهم يسيطرون وبشكل مخيف على أدوات وظروف توفير السلعة الأهم في المجتمع, فهذا مما لا يحتاج إلى أخذ ورد من قبل أفراد المجتمع, بقدر ما يحتاج إلى تدخل سريع من قبل السلطات العليا في المجتمع, لان قضية (أزمة أسماك سوق أبوظبي) تجاوزت نطاق المشكلة العادية, لتصل إلى حدود تهديد الأمن وارهاب المجتمع في قوته اليومي, وفرض الأجنبي لشروطه المريبة واللاعقلانية تجاه مسألة تمس صميم خصوصية المجتمع ومواطنيه. فماذا يعني أن يمتنع آلاف الآسيويين عن العمل على سفن صيد الأسماك؟ ماذا يعني أن يصل اعدادهم في أبوظبي إلى 2000 عامل وقد يكونون أكثر, فما خفي أعظم دائما؟ ماذا يعني أن تكون أدوات الصيد والانتاج ملكا خاصا لهم يضع المواطن اسمه على أوراق الملكية بشكل صوري لا أكثر؟ ماذا يعني أن تقف جمعية وطنية تأسست وفق قوانين البلد وقامت لمصلحة الصيادين المواطنين لتنظيم المهنة وتقنين سلوكيات العاملين فيها وعلاقتهم بالمستهلك وبالتالي باقتصاد المجتمع؟ ماذا يعني أن تدخل هذه الجمعية في صراع يمتد لأكثر من عشرة أيام الآن وتقف خلاله عاجزة عن اقناع العمال المضربين عن العمل الذين يريدون فرض شروطهم على سوق السمك وعلى الجمعية وعلى المستهلك!! لقد وصلنا إلى النقطة التي حذر فيها مخلصون وعقلاء من أبناء هذا الوطن منذ أكثر من 25 سنة, وصلنا لأن نكون تحت رحمة هؤلاء العاملين, فجاء الوقت الذي يقف فيه عمال صيد الأسماك ليشترطوا: أن تكون الأسعار في السوق حرة وبعيدة عن التقنين حتى يبيعوا بالسعر الذي يريدون, بعيدا عن مصلحة وقدرة المشتري المستهلك, اضافة إلى الغاء نظام الميزان وتركهم يبيعون بنظام المزاد, وبيع جميع الأصناف تحت بند المساواة مع الصيادين المواطنين!! العمال يمارسون اضرابا عن العمل في وضح النهار! وفي مجال سلعة رئيسية في البلد, والجمعية تتفاوض معهم, بينما هم مصرون على شروطهم ولن يعودوا لسفن الصيد حتى تتم الاستجابة لمطالبهم, وحجتهم ان تسعيرة الجمعية تضر بمصالحهم وتحد من أرباحهم التي يعوضون بها خسائرهم, أما جمعية الصيادين فقد وعدت بضخ 50 طنا من الأسماك يوميا للسوق للخروج من الأزمة, كما ان السفن التابعة لأعضاء الجمعية ستساهم في تعويض النقص نتيجة اضراب الآسيويين, ولكن إلى متى؟ وهل ستصمد هذه الحلول في وجه الريح الآسيوية أم ان الآسيويين سيربحون معركتهم هذه المرة أيضا؟ الأزمة أزمة مجتمع يأكل من أيدي الآخرين, وقديما قال (جبران) (الويل لأمة تأكل مما لا تزرع)!